كتاب وأراء

الوجه الآخر لوسائل التواصل الاجتماعي

إنه عالم مظلم وخطير، بدأ افتراضياً وانتهى إلى كيان من لحم ودم، لقد دفع تطور التكنولوجيا إلى عمليات دمج عميقة بين العالم الافتراضي والعالم الواقعي بصورة تُشعر الشخص بفقدان سيطرته على خصوصيته.
ما لم يعد وصفاً دقيقاً هو القول إن الشبكة العنكبوتية هي عالم افتراضي. اليوم، وبعد اختراق الشبكة هواءنا لم تعد افتراضية بالمطلق، والشاهد على ذلك الكثير من الدلائل أو الحقائق ليس آخرها لعبة «بوكيمون جو» التي ربطت عالم الافتراض بالعالم الحقيقي بصورة مفزعة، لكن هذه اللعبة ليست الأولى في الحقيقة التي بدأت بعمليات ربط هذا الواقع.
تمر بالقرب من شخص لا تكاد تعرفه، وفي هاتفك الخلوي تطبيق للفيسبوك وكذلك الشخص الغريب، وما هي إلا دقائق حتى يقترح عليك الفيسبوك أن تكوّن صداقة معه. لقد أثارت اندهاشي هذه التجربة، يوم اتصلت ببائع الماء الصحي وطلبت منه أن يأتي لي ببعض القوارير. ما هي إلا دقائق على تسليمه قوارير الماء والرحيل، حتى اقترحتْ عليّ صفحتي إمكانية طلب صداقة مع بائع الماء!
ثمة ما هو أخطر، فالكثير منا سمع بإمكانية تجسس هواتفنا علينا، لكن ما يدعو إلى القلق أن عمليات التجسس لا تقوم بها الدول فقط، فاليوم باتت الشركات تفعل ذلك، ربما يقال إنها لغايات التسويق والإعلان، لكنها تبقى الفكرة الأعمق، لم نعد وحدنا في منازلنا. والشعور الذي تمنحك إياه الحواس الخمسة بأنك في منزلك وحيد، وآمن هو شعور زائف. اخضع نفسك لهذه التجربة، قلْ شيئاً أمام هاتفك عن رغبتك بالسياحة في إحدى البلدان وما هي إلا لحظات حتى يقترح عليك الفيسبوك مرة أخرى أن بإمكانك زيارة المكان الفلاني في البلاد الفلاني.
قبل فترة وجيزة كان النقاش الحاد يدور حول ما إذا كان يحق للدولة أن تتجسس على مواطنيها، هذا النقاش بات ترفاً تخطّاه الواقع بمراحل، فليست أجهزة الدول وحدها من تتجسس، بل هناك عشرات التطبيقات على هاتفك التي ستحول الكاميرا على عين تراقب حركاتك، وسماعات الهاتف إلى آذان صاغية لكل حرف، هناك على مثلنا القائل الجدران لها آذان أن تستبدل للهواتف لها آذان وعيون.
إنّه عالم دخل حد الجنون وما عاد المرء قادراً على الاستقلال الذاتي والشخصي، ولن ينجو منه أحد إلا بأن تقوم بقذف الهاتف بعيداً عنك وأن تعود مجدداً إلى عالم التلغراف، والطباعة اليدوية، والبريد المسجل اليدوي، وهاتف القرص الأرضي. لكنك إن فعلت ستكون كلفة ذلك عليك عالية جداً، اللهم إن أردت الاختلاء بنفسك وحيداً في قرية ما في انتظار الموت، أما هذا فلم يعد متاحاً.
عوالم الشبكة العنكبوتية مظلمة وقاتمة ومريبة، لكن أكثرها غرابة مواقع التواصل الاجتماعي، ليس لتطورها التقني بل لرغبتها المستمرة في ربط العالمين الحقيقة بالافتراضي.
لم يتفق العالم بعد على مصطلح للوجود الإنساني بعد القول إنه صار قرية صغيرة. ربما سيتوصل فلاسفة العصر إلى مصطلح آخر لكن بعد استيعاب حجم المتغيرات المذهلة التي فرضتها الشبكة العنكبوتية للانسجام بين العالمين، ولا أدري إن كان يمكن وصف العالم الإنساني اليوم بوصفه «شريحة صغيرة»؟ ربما لن يبتعد الفلاسفة عن هذا المعنى.
بقلم : خالد وليد محمود

خالد وليد محمود