كتاب وأراء

مجتمعنا بين المثقف والفقيه

لا يوجد مثقف في مجتمعنا بالمعنى الذي سأذكره أو بالأحرى الذي ذكرته في مقال سابق والذي يعني حركة مستمرة في الواقع تبحث عن التجديد المستمر.. في المقابل، يوجد الكثير من صور الفقيه تتكاثر يوماً بعد آخر لأن استراتيجية الفقيه المثلى هي الإسقاط لكل فكر مخالف وبالتالي هو مناقض تماما لصورة المثقف التي أشرت إليها، الفقيه يحمل فكراً ثابتاً جاهزاً يعمل على إسقاطه دائماً على واقع متحرك بشكل يحفظ له وجوده واستمرار رقابته لا يقبل أي مرجعية منافسة.. والإشكالية أنه يحتل الصورة النمطية السائدة للمثقف في المجتمع فيعتبر المجتمع أن الفقيه هو المثقف أو الصورة الأعلى للمثقف وما دونه ليسوا سوى مجرد صور مشوهة، فالفنان مثلا أو النحات أو الرسام أو غير ذلك من مثقفي المهنة التي تتطلب الإبداع والخروج ربما خارج نطاق المفكر فيه ليسوا سوى بدع ومروق. يعتمد الفقيه على النص بينما يعتمد المثقف حالة المجتمع الذي يعيش فيه مصدرا لفكره ونطاق حيويته، لا يعني أنه مضاد للدين أو لا ديني، لا لكنه لا يسقط النص وفهمه الثابت له على المجتمع بشكل يعطل فيه قوى المجتمع العقلية ولا يمارس سلطة عليا عليه، بل يخلق شعورا من التفاعل بين ثقافة المجتمع وظروفه تجعل من التغيير متقبلا.. الفقيه صورة متقدمة للمثقف الديني الذي آمن بثبات النص كتفسير ورؤية ثابتة لا تحتمل معها تغير العصر وإنما يعيش العصر في داخلها، بينما المثقف الحر في مجتمعاتنا يفترض أنه صورة متقدمة للمثقف العلماني الأوروبي تخلصت من تاريخيتها التي لم تنجبها هذه الأرض وفتحت المجال إلى نظرة أرحب لتغير العصر والمشارب بشكل يحقق للمجتمع صوره أسمى من صور الإنسانية.. على كل حال، تعيش مجتمعاتنا اليوم صراعاً يبدو أنه حتى اليوم محسوم لصالح الفقيه على حساب المثقف، بل أنه أصبح رجل السياسة وفارس الاقتصاد ورجل الاستثمار ومغرد تويتر ونجم سناب شات.
عبدالعزيز بن محمد الخاطر

عبدالعزيز محمد الخاطر