كتاب وأراء

في تشرذم القرار العربي

لا تحتاج التطورات المتسارعة في المنطقة وفي قلبها المشرقي النابض إلى تفسير كبير حول تداعياتها وحول أسبابها بل إن أهم دروس اليوم هو الانكشاف الكبير للمشهد العربي محليا وإقليميا وكذلك دوليا. المنطقة المشرقية من الوطن العربي تدخل مرحلة جديدة في مسار تطورها الحديث وهي مرحلة ستحدد بما لا يدع مجالا للشك مصير المنطقة والأمة بشكل كبير.
الربيع العربي والثورات المرتبطة به لم تكن المسبب لهذا التطور لكنها سارعت بكشفه وتعرية عناصره الداخلية خاصة فيما يتعلق بأطماع الامبراطوريات المحلية وخاصة منها الفارسية والروسية في تقاسم النفوذ والأدوار حول المنطقة العربية وداخلها. الربيع العربي ومجموع الثورات المرتبطة به كانت عاملا مسرّعا لتبيّن الوهن الكبير الذي كان يضرب الأسس التي تقوم عليها الأمة في هذه المرحلة الحضارية من تاريخها.
لقد سارعت الأحداث المتلاحقة في تعرية عناصر كبيرة لعل أهمها هشاشة النظام الاستبدادي العربي الذي سقط بسرعة ما كان أحد يتوقعها من داخل النظام أو من خارجه في تونس ومصر وليبيا بدرجة أقل. أي أن المنوال السياسي الذي يحكم المنطقة العربية في شكله الاستبدادي العسكري هو أكثر المنوالات هشاشة رغم كل الدعم الذي يتلقاه من الخارج فعودة النظام الانقلابي العسكري في مصر لا تعني رسوخ النظام وصلابته بقدر ما تفضح هشاشة المعارضة وعجز النخب المصرية على استئصال الورم الاستبدادي قبل أن يشتد عوده وينهض من جديد. في سوريا ما كان النظام الطائفي ليصمد أمام إرادة الشعب السوري في الحرية والعدالة وفي التحرر من طغيان الطائفة لولا التدخل الإيراني المباشر ثم التدخل الروسي المباشر إلى اليوم.
إذا كشفت لنا التغيرات المتسارعة هشاشة النظام القمعي وقوّة الزخم الشعبي فقد عرّت كذلك عجز النخب وانفصالها عن قواعدها الشعبية وخاصة منها النخب المرتبطة بالمنوالات الايديولوجية والحزبية. اليوم وفي الوقت الذي تنتشر فيه الفوضى بكل مكان وتتمدد الامبراطوريات التوسعية بشكل مباشر في قلب العالم العربي وحتى في أطرافه الرخوة يعجز العرب عن توحيد القرار الذي يضمن الحدّ من تمدد الفوضى.
إنّ أخطر العناصر التي تهدد اليوم الوجود العربي نفسه هي الفوضى الناجمة عن معطيات طائفية واستعمارية أساسا وهي فوضى مكّن لها وشجعها النظام الاستبدادي خاصة في شكله العسكري. لكن ما هو مطلوب اليوم هو الوصول على حدّ أدنى من توحيد القرار العربي في شكله الرسمي من أجل منع التفتت الذي يهدد المنطقة برمتها ولا يستهدف هذا النظام أو ذاك. فليست المسألة اليوم مسألة داخلية تتعلق بنظام الحكم الداخلي هنا أو هناك بل هي مسألة وجودية تتجاوز التصنيفات السياسية أو تصنيفات أنظمة الحكم لتبلغ مرحلة مصيرية لم تبلغها من قبل. اليوم تجد كل المنطقة العربية نفسها في مواجهة موجات الفوضى والدمار الذي خلفه النظام الاستبدادي وهي اليوم أحوج من أي وقت مضى إلى توحيد قرارها في شكله الأدنى حتى لا تقع في نكبة جديدة أو أندلس أخرى لا سمح الله.
إن تشرذم القرار العربي وانهيار مؤسساته البالية مثل جامعة الدول العربية وغيرها من المؤسسات والأبنية سيكون محفزا للفوضى وسيفتح المنطقة على كل الاحتمالات الممكنة وهو ما يحتم اليوم وأكثر من أي وقت مضى تجديد آليات العمل العربي بشكل يسمح بإنقاذ ما يمكن إنقاذه ويغلق الباب أمام تمدد الفوضى وانهيار المنطقة.
بقلم : محمد هنيد

محمد هنيد