كتاب وأراء

الشهباء حلب في ذمة العصر الحديث

للمدن روح كما للبشر روح،وللمدن اعمار كالبشر، طويلة العمر بعضها كحلب الشهباء التي اسكنت الإنسان وآوته منذ قديم الأزل لأنها جمعت كل ما في الأرض من محاسن الحياة،وقوتها،وصمودها. فكانت المدينة التي لا تموت. وكان لها عشاقها،و من عَمَرَها، وجعل منها درة بين المدن،و منطلقاً للمقاومة،والتحرير ضد أعداء الأمة مرات عديدة.وكان لها من استباحها ودمرها من مجرمي العصر الغرباء عنها كالصليبين،والتتار الذين صنعوا من جثث ابناء حلب الذين ذبحوهم أسوار.

سنة 1138 م كان زلزال حلب المدمر الذي يعد رابع أقوى زلزال في التاريخ دمرت على اثره حلب تدميراً كبيراً، وقتل اكثر من 230 ألف من ابناءها بسببه.

فكم من مرة دمرت حلب،وقتل أبناؤها ثم قامت مرة اخرى وكأن شيئا لم يكن،طويلة العمر حلب،فارعة الروح.

تدمر اليوم كما بالأمس،و يقتل أبناؤها على مرأى العالم المتحضر الحديث بتعاون، وتواطؤ صريح مع أباطرته الغارقين في التأنق،و الدماء..اللافت في الأمر انها تدمر اليوم بيد طاغية كان يحكمها،و من المفروض أنه ينتمي للبلد التي تضمها، يحمل هويتها،و جواز سفرها. بل وفتح الباب لكل مساهم في تدميرها وغيرها من المدن السورية من أصحاب المصالح الوضيعة،و ارتكب من الجرائم في حقها ما تعجز الكلمات عن وصفه،و العقول عن استيعابه من أجل ان يبقى.و كأن عاطفة ما...لم تربطه بتراب سوريا،و لا هوائها، ولا ناسها.فكيف يكون لمثل هذا أي حق في حكم سوريا.

و كغيرها من المدن ستمر فجيعتها علينا،و يطوي الزمان صدى الدموع،و الاهات،والفجائع التي مرت بها،وتطوي القبور أجساد الأبرياء الذين سقطوا تحت أنقاضها،وقبلها مدن كثيرة،و خلق كثير.

و تمضي البشرية لا عذر لكل هذا الظلم الذي يرتكبه الناس على مر العصور....لا فرق بينهم مهما تطوروا في الحديد،والنار،و الطب والعلوم،وان صنعوا ما صنعوا وغزو حتى القمر،تظل بدائية الشر كامنة في نفوسهم،تستبيح الدماء، والمدن،و الأعراض لا حرمة لشيء ان كان يخالف مصالحهم،أو يعترضها ولتذهب كل المثل التي كتبوها على قارعة مصالحهم إلى مزبلة الإنسانية. ناسين أو متناسين بكبر،وغرور،وحماقة أن محكمة العدل الإلهي لا تغفل أو تنام أبداً في هذه الحياة الدنيا،أو في الآخرة بعدها.

خاتمة بصوت المتنبي وكأنه يصفها اليوم:

أتيت أرى الشهباء...ولكن خيبة

أطاحت بأحلامي وأدمت صباحيا

فحطت سحابات من الحزن في

دمي كأني أرى ما لا يرى في دمائيا

لقد بات فيها كل شيء مشوها

.فقد ضيعوها واستباحوا تراثيا

كأني بها أمست بقايا مدينة إلى

الموت قد أمسى بها النجم هاويا



بقلم : مها محمد

مها محمد