كتاب وأراء

الصور النمطية والتمييز العنصري بين الشرق والغرب (2)

أثارت مقالة الأسبوع الماضي عن التصوير النمطي «STEREOTYPING» المشوه لبعضنا البعض، وأننا ننشر تلك العنصرية دون ان ندري ضد أنفسنا، حالة من الجدل بين عدد من زملائى وأصدقائي. ارسل إلى البعض يستحسن المقالة وأرسل الآخرون يقولون ان التصوير النمطي مفيد لانه يجعلنا نستفيد من تجاربنا السابقة ونتجنب الوقوع في الأخطاء وان هذا هو المطلوب. بل ان البعض استرسل ليقول إننا اذا لم نفعل ذلك فإننا كمن يلدغ من الجحر وان الفطنة والحصافة تستلزم ان نقوم بذلك التعميم غير الضار.
ومن ثم يستلزم اعادة الشرح هنا. ما قصدته بالتصوير النمطي هو التعميم على الكل من أفعال أو أقوال البعض. فلا اعتقد ان الحصافة أو الفطنة تعني ان نعامل جميع مواطني الدولة المعينة على انهم مجرمون ومغتصبون كما ادعى المرشح الأميركى «ترامب» حين قال ان جميع المهاجرين من المكسيك إلى أميركا هم مجرمون ومغتصبون يروعون المواطن الأميركي المسالم. ولذا بنى سياساته المستقبلية على هذا الأساس فاقترح بناء جدار عازل على الحدود مع المكسيك.
اعتقد انه ليس من الذكاء ان يعامل العرب كل الأميركيين مثلا على انهم مثال التحضر ورمز الكفاءة وعلامة الامانة. فنجدهم يوظفونهم في ارفع المناصب ومنها الحساسة، ويسبغون عليهم الثقة العمياء فيما يصدرونه من احكام وما يقومون به من اعمال. ولعل الاعتماد على شركات المراجعة والتقيييم والتخطيط الأميركية المعروفة في كل انحاء العالم العربي وفى الخليج بصفة خاصة والتي تكلف الحكومات مئات الملايين مثال حي على ذلك. فلطالما اخطأت هذه الشركات في تقييماتها واصدرت الحكومات قرارات خاطئة اعتمادا علي هذه التقييمات ثم عادت الحكومة لتوظف هذه الشركات نفسها أو مثيلاتها لاصلاح الأخطاء التي تسببت فيها بادئ ذى بدء.
حينما كنت اقوم بالتدريس في أميركا وأسمع الطلبة يشيرون إلي، وانا في طريقي للصف على انني «الاستاذ المصري» كان ينتابني شعور مزدوج. بالفخر أولا لانهم يعرفونني بجنسيتي الأم وبالحرج ثانيا لأني اعلم ان هناك الكثير من الصفات النمطية التي يمكن ان يوصف بها كل من يأتي من الشرق الأوسط. ولكن حين اسمع هذا الوصف الآن هنا في بلادنا من الزملاء أو الطلبة فيعتمرني شعور بعدم الرضا ويمكن ان يصل حد السخط لأني اعلم ان هذا معناه أننا كعرب انقسمنا وتحزبنا واصبحنا نعرف بعضنا بالمكان الذي ولدنا فيه أو أتينا منه وليس بما أوتينا من علم أو معرفة أو من فضل أو تقوى. لعل الأمثلة حاضرة في ذهن كل منا عن هذا التحزب والانقسام والذي يولد تلك الصور النمطية.
عملت في بلد خليجي في فترة من الوقت وفوجئت بالمسؤول عن الجامعة التي عملت بها يصرح للمقربين منه انه لا يحب ان يعين عربا في هذه الجامعة. ومهما كانت الحجج التي تساق في مثل هذه الأوقات الا ان القرار مليء بالتحيز. وهكذا هناك حالات عديدة توضح التحيز والعنصرية التي تتولد عنها الصور النمطية.
في مارس الماضي تم عقد مؤتمر اقتصادي عالمي في الدوحة تمت دعوة كثير من الاقتصاديين المرموقين له. اهمهم في رأيي الاقتصادي الرئيسي في البنك الدولي وهو ينحدر من أصول تاميلية من سريلانكا. ولك ان تخمن انه كان الأقل تغطية إعلاميا بينما الأستاذ الأميركى الذي لم يضف الكثير كان الأوسع انتشارا والأكثر حظا في التغطية الإعلامية.
نحن نقوم بنشر وتطبيق هذه الصور النمطية دون أن ندري وأحيانا دون وعي. اسأل نفسك حينما يهل عليك احد اصدقائك من بعيد هل تتذكر اسمه أولا أم تتذكر جنسيته؟. اذا كنت تتذكر الجنسية أولا فانك معرض لهذا المرض العضال الذي أسميه التحيز والتعصب. إننا جميعا نتعرض لهذا المرض ولكن المهم ان ندرك ذلك حتى يمكننا علاج أنفسنا.

بقلم : حسن يوسف علي

حسن يوسف علي