كتاب وأراء

المكاتب المفتوحة وإعاقة الإنتاجية

في هوجة التقدم الحضاري المادي الحديث خرجت الكثير من الأنظمة والأفكار التي تخدم سوق العمل وتهدف إلى إخراج أقصى وأفضل ما يستطيعه العقل البشري، والإنسان ذاته. بعضها كان إيجابياً، والآخر كان سلبياً.
نظام المكاتب المفتوحة نظام أُحدِث في خمسينيات القرن الماضي بغرض زيادة، وتحسين الإنتاجية والإبداع، والتواصل، وتدفق المعلومات بين الموظفين، كما أنه يعطي فرصة أكبر للرئيس، أو المسؤول الذي غالباً ما يجلس في مكتب زجاجي لمراقبة عمل موظفيه، وتوجيههم، بالإضافه إلى أن المكاتب المفتوحة تحتاج إلى تدفئة، وتبريد أقل بمعنى أنها صديقة للبيئة، كما أنها تعتبر أقل تكلفة.
لهذه الأسباب باعتقادي طُبق هذا النظام في بعض الوزارات والمؤسسات لدينا في قطر.
الموضوع الذي أردت طرحه هنا هو هل نظام المكاتب المفتوحة ما زال من الأنظمة الناجحة التي تزيد الإنتاجية؟، ما جعلني أبحث في هذا الموضوع شكوى وصلتني من إحدى الموظفات القطريات العاملات في وزارة من وزارات الدولة بشأن عملها ضمن نظام المكاتب المفتوحة تقول الأخت الشاكية:
«لا نشعر بالاحترام، خصوصيتنا منتهكة، ولا نملك حق الاعتراض، كما أننا لا نستطيع التركيز في العمل هكذا نشعر أنا وزميلاتي بأننا مجبرون على البقاء في مكاتب مفتوحة جنباً إلى جنب مع الرجال الموظفين معنا، وأمام كل المراجعين، نشعر بالغضب، ونعتبر ذلك انتهاكا لحقوق المرأة). هذه الشكوى دفعتني لمراجعة نظام المكاتب المفتوحة، والدراسات التي أجريت لعقود عليها فوجدت أن هذا النظام أثبت فشله من حيث أن سلبياته طغت على إيجابياته، وجعلت منه نظاما لا يستحق التعويل عليه في زيادة الإنتاجية خاصة أن الدراسات وليس الأوهام، والأمنيات خلُصت إلا أنه لا يقدم إلا زيادة ضئيلة فيها لأسباب عدة أولها انعدام الخصوصية، وانعدام الخصوصية هنا ليس مجرد مشكلة عادات وتقاليد فقط بل هي مشكلة حقيقية حتى عند الغربيين الذين أجريت عليهم هذه الدراسات.
وهذا ما قصدته الأخت في شكواها، فإذا كان الغربيون برغم انفتاحهم المطلق توصلوا إلى أن هذا النظام يقلل كفاءة الموظف لشعوره بأنه مراقب طوال الوقت خاصة أن كل ما يفعله، ويقوله مكشوف للآخرين حوله مما يرفع من معدل التوتر، والقلق لديه ولا يخفى علينا الأضرار الصحية الناتجة عن ذلك كارتفاع ضغط الدم، وزيادة التغيب المرضي خاصة عند النساء كما أثبتت بعض الدراسات.
كذلك زيادة التشويش، وتشتيت الانتباه الناتج عن وجود كل هؤلاء الموظفين جنباً إلى جنب في مساحات مفتوحة بما يحوي ذلك من ضجيج سواء لوجود الهواتف، أو المحادثات بين الموظفين ولنا أن نتخيل كيف يمكن للموظف أن يركز في هذا الجو المشحون بالإزعاجات، والمشتتات، وكيف يستطيع زيادة الإنتاجية أو الإبداع!
ولا يخفى علينا سهولة انتشار الأمراض المعدية في هذا الجو المختلط المشحون بالبشر الذين يتنفسون الهواء ذاته في مساحة ضيقة، بل إن هناك دراسات وجدت أن العمل في مكاتب مفتوحة يؤثر سلباً على وظائف المخ حيث لاحظوا من خلال التجارب حدوث نشاطات غير طبيعية فيها عند العمل في المكاتب المفتوحة.
في هذا المقال لم أرد التركيز على الجوانب الدينية، وما يتصل بالعادات، والتقاليد لأن هذه الأمور باعتقادي لا تخفى على المسؤولين لدينا، ومن المفروض أنها تعتبر من الأولويات التي تحفظ الهوية، والمجتمع القطري. وما قصدت التركيز عليه هو إعادة النظر في تطبيق هذا النظام بسبب سلبياته مجتمعة، والبدء مما انتهى إليه القوم لا مما بدؤوا به، مع تحصيل كل السلبيات التي عانوا منها، وبما أن العمل بهذا النظام على الأغلب كان من أجل تحسين الإنتاجية، بينما ثبُتَ أنه لا يحقق ذلك فالأفضل الرجوع عنه، ومنح الموظفة القطرية العاملة في هذه الأماكن خصوصيتها، وحقها في الستر عن الرجال، ومراقبة أدائها للعمل بطرق أكثر رقياً، واحتراماً.
بقلم : مها محمد

مها محمد