كتاب وأراء

مخرز في عين الجميع

لم تتعرض مدينة سورية من المدن التي ثارت على نظام الأسد للعنف المترافق مع الحقد، كما تعرضت مدينة داريا المتاخمة للعاصمة دمشق. منذ بداية الثورة السورية، كانت داريا مثالا ناصعا عن المعنى الحقيقي للنضال السلمي، إذ ينتمي غالبية شباب داريا الثائرين إلى حركة الإسلام اللاعنفي التي أسسها المفكر الإسلامي السوري المعروف جودت سعيد، هذه الحركة التي تؤمن بالإسلام بوصفه دين سلام لا دين قتل وعنف.
هذا الإيمان انعكس على حراك المدينة في بداية الثورة بشكل واضح، كانت مظاهرات داريا ضد النظام إحدى أكثر العلامات المضيئة في الثورة السورية، متظاهروها كانوا يحملون الورود وزجاجات الماء ويقدمونها لعناصر الجيش والأمن الذين يحاصرون المدينة، في حركة مذهلة تريد الإيحاء للجميع أن السوريين أخوة، وأن الخلاف السياسي ليس مع هؤلاء، بل مع النظام كبنية يجب تغييرها واستبدالها ببنية حديثة تؤمن بالتعددية والديمقراطية.
ولعل هذا أكثر ما اثار حفيظة نظام الأسد ضد أهل داريان إذ تم اقتحام المدينة عدة مرات واعتقل الكثير من ناشطيها، وتم قتل قادة الحراك السلمي فيها تحت التعذيب بأشنع الطرق وأكثرها وحشية.
يتذكر العالم بأجمعه قصة اعتقال الناشط السلمي الشهيد غياث مطر، وكيف أعيد إلى عائلته بعد ايام من اعتقاله جثة مقطعة الأوصال، لم يقتصر الأمر على غياث مطر، إذ قتل النظام الكثير من خيرة شباب داريا واعتقل آخرين وغيبهم في سجونه، وعلى مدار السنوات الأربع الماضية، لم يترك النظام سلاحا لم يستخدمه ضد داريا، تلقت من براميل الموت العدد الأكير، ومن الصواريخ ذات العدد، تهدمت المدينة كلها ولم يبق منها سوى الأطلال والأنفاق التي حفرها ثوراها بعد تسلحهم واصبحت ملجأ للنساء والأطفال الذين رفضوا مغادرة مدينتهم.
ولعل حصار الجوع الذي فرض على المدينة منذ أربع سنوات سيكون سابقة تاريخية، إذ لم يحصل في تاريخ البشر أن منعت المساعدات عن دخول مدينة محاصرة كما حصل مع داريا، داريا التي رغم كل ما حصل فيها ومورس ضدها حافظت على مدنيتها، وتحت الحصار والقصف والموت شكلت مجلسا محليا مدنيا لإدارة شؤون ما تبقى من البلدة.
لم يدخل ثوار داريا ومسلحوها في لعبة التمويل والتطرف الذي حصل في باقي المدن، وظلت الحركة النسائية فيها ناصعة وواضحة رغم الظروف المرعبة التي تعيشها النساء هناك.
يصعب الحديث عن داريا وصمودها في مساحة قليلة الكلمات، غير أن ما يمكن قوله أن صمودها بهذه الطريقة كان مخرزا بعين الجميع، النظام وحلفائه من جهة والكتاتئب الجهادية المنتشرة في المناطق القريبة منها من جهة ثانية، لهذا تخلى عنها الجميع وخانها الجميع، حتى كادت تلفظ أنفاسها نهائيا.
لا يمكن لأحد اليوم لوم أهل داريا على قبولهم بشروط الهدنة المفروضة عليهم من قبل النظام للخروج من المدينة وتسليمها نهائيا وترحيلهم إلى إدلب وجرابلس لتوطينهم هناك. سيلام المجتمع الدولي الذي تواطأ مع نظام الأسد على منع الحياة عن المدينة سنوات كاملة، ستلام المعارضة السياسية التي باعت الثورة بدماء أبنائها، ستلام الكتائب المسلحة الجهادية التي لا تتحرك بغير أوامر مموليها، سيلام العالم على صمته على حصار تجويع وتهجير أصحاب المدن من مدنها، أما نظام الأسد فيكفيه ما فعله بداريا وحدها كي يحاكم في محاكم دولية على جرائم الحرب المنظمة التي ارتكبها، إن كان ثمة عدالة ما في هذا الكون.

بقلم : رشا عمران

رشا عمران