كتاب وأراء

لا تقرؤوا هذه الحكاية!

كن إنسانا، يكن لوجودك معنى.
كن، بكونك تتأنس الحياة.
ما أكثر البشر، في زحام الدنيا. ما أكثر لامبالاتهم.. ما أكثر خيباتهم.
تأخذهم- هذي الدنيا أخذا- عن الإنسان، حتى إذا ما تراءى إليهم، ظنوه رجسا من عمل الشيطان.
تلك مقدمة.. والخلفية حكاية، أفرحتني وأبكتني، معا.. والحكاية راويها في أحد مواقع التواصل الاجتماعي، مجهول!
تقول الحكاية: الخرطوم. ميدان جاكسون للمواصلات. شح في المركبات، وبشر يتزاحمون بالساعد والعضل والأرجل والصدور متى ما جاءت حافلة.
كان ثمة (شماشة)- والشماشة تعبير يطلق في السودان على أطفال الشوارع. كانوا يتناولون بقايا من طعام غيرهم، كان مصيره (الزبالة).
جاءت حافلة، وتزاحم البشر.
فجأة انطلق أحد الشماسة، وقفز إلى داخل الحافلة، من الشباك، واحتل مقعدا.
الشماشة، هم أبناء الشوارع القذرة. هم أبناء الزبالات.
والمقاعد، في الحافلات لأبناء البيوت. أبناء المصارين البيض!
دخل معه الكمساري في خناقة. ضربه ركاب ضربا مبرحا. ظنوه نشالا، يفسح الطريق لنشال!
حين تكاثر عليه الضرب، تدخل أحدهم، وسأله، إلى أين ذاهب أنت بهذه الحافلة؟.
قال: إنني لا أبارح هذا المكان، لكنني أسرعت لأحجز مقعدا لتلك الفتاة الضريرة التي طال بها الانتظار، في انتظار حافة، والناس زحام!
أشار بيده إلى حيث الفتاة..
وكانت شهقة كل العيون، حين شافت (شماشيا) آخر، يقود الفتاة، وهي تتلمس معه الطريق إلى الحافلة، بعكازتها.. العكازة العينين!
دخلت الحافلة.. وقام لها الشماشي من المقعد، وهو يبتسم.. المقعد الذي كلفه ضربا وشتما، وسوء ظن من الناس!
يقول كاتب الحكاية: كنا بشرا كثيرين، في ميدان جاكسون.. وكان الزحام.. ولم يكن بيننا إلا إنسان واحد.. واحد فقط، هو.... (الشماشي)
يقول: كنا- نحن البشر- كلنا عمايا.. ولم يكن من يشوف إلا.. إلا إنسان واحد، هو الشماشي!
يقول: كنا كثيرين، لكن تلك الفتاة الضريرة، لم تكن تشوفنا نحن، وإنما كانت تشوف- فقط- بعينى قلبها: الشماشي.. الشماشيين.. الشماشة!
أيها البشر الكثير: تحسسوا الإنسان فيكم..
خذوا أعظم دروس الإنسان، من الشماشة!

بقلم : هاشم كرار

هاشم كرار