كتاب وأراء

ما بعد ترامب .. مصير الفزاعات التعبوية

اختار دونالد ترامب خطاباً سياسياً يناسب شخصيته تماماً. فالرجل طيلة حياته تصرف كرجل مال وأعمال. لم يعرف عن السياسة إلا ما يساعده على تكديس الأرصدة المالية وحيازة الأصول العقارية. ولما دخل معتركها تعامل مع أصوات الناخبين بنفس طريقة تعامله مع أوراق البنكنوت. كان يراكم الدولار فوق الدولار إلى أن بنى إمبراطورية اقتصادية مترامية.
واليوم يسعى كمرشح رئاسي إلى حشد الصوت فوق الصوت لكي يصل إلى البيت الأبيض. ومثلما قدم في الاقتصاد مشروعات انتفعت بها ثلة من الأغنياء وألهبت مخيلة التملك لدى جموع من أنصاف القادرين بل وبعض الفقراء، فإنه يقدم في السياسة خطاباً يؤجج الخيال الوطني لدى قطاعات من الأميركيين يتلاعب من خلاله بغرائزهم معتمداً بشكل واضح على تخويفهم من فزاعات وجد أنها تعبئهم وتحشدهم وراءه. فعن طريق تلك الفزاعات نحى ترامب من طريقه كل منافسيه في الانتخابات الأولية داخل الحزب الجمهوري وعن طريقها يحاول أن يتغلب على منافسته الديمقراطية هيلاري كلينتون في انتخابات الثامن من نوفمبر القادم.
وفزاعات ترامب عديدة لكن أبرزها فزاعة الخطر الإسلامي. وقد وضح إتكاؤه عليها من جديد في الخطاب الذي ألقاه حول سياسته الخارجية أمام جمع من مؤيديه في جامعة «يونجز تاون» بولاية أوهايو في منتصف هذا الشهر حيث نسج حول تلك الفزاعة كثيراً من الأفكار التي تعهد بأنه سينفذها متى ما انتخب رئيساً. فقد تعهد مثلاً بإجراء تدقيق أمني صارم واختبار عقائدي دقيق للكشف عن خلفيات المهاجرين والزائرين إلى الولايات المتحدة. وشدد على أن إدارته ستكون حازمة بل و«متطرفة» في كافة القرارات المتعلقة بالهجرة وأنها لن تسمح بدخول أميركا إلا لمن يحترمون القيم الأميركية. وتعهد كذلك بتعليق الهجرة من أماكن بعينها، وقال إنه سيشن حرباً عسكرية وإلكترونية ومالية لهزيمة تنظيم الدولة الإسلامية وأنه سيطلب من وزارتي الخارجية والأمن الداخلي تحديد المناطق التي لا تزال معادية للولايات المتحدة والتي لا تكفي وسائل المراقبة العادية فيها لملاحقة من يهدد بلاده. باختصار، وضع ترامب خطر التطرف الإسلامي على رأس أولوياته الأمنية والسياسية، وهو كلام يعجب ويشد إليه قطاعات من الأميركيين.
ومع أن الديمقراطيين وشخصيات قيادية في الحزب الجمهوري وكثيراً من المعلقين الأميركيين فندوا فزاعات ترامب، بما فيها الفزاعة الإسلامية، إلا أن ما طرحه لم يعد ممكناً تجاوزه بسهولة. فلو فاز سنكون أمام مشروع غضب جديد أكثر حمقاً من مشروع بوش والمحافظين الجدد. أما لو خسر، وهذا احتمال ترجحه استطلاعات الرأي العام إلى الآن، فإن هيلاري كلينتون لن يمكنها تجاهل خطابه وفزاعاته هكذا بالكلية.
لو خسر ترامب، قد يختفي من مسرح السياسة الأميركية ليرجع كما كان رجل مال وأعمال. لكن نظراً لتأييد ما يزيد على أربعين بالمائة من الأميركيين لأفكاره وإيمان بعضهم القوي بالفزاعات التي يروج لها فلن يكون منتظراً من كلينتون غض الطرف عن بعض ما فجره على الساحة السياسية ممثلاً لمخاوف اليمين الأميركي مثلما لن يمكنها تجاهل بعض ما طرحه منافسها «بيرني ساندرز» خلال الانتخابات الأولية داخل الحزب الديمقراطي من مطالب لقوى اليسار.
ولذا فإن ما بعد ترامب لن يشهد على الأرجح إسقاطاً سريعاً كاملاً للفزاعة الإسلامية التي لجأ إليها لتعبئة الرأي العام مهما حاول أن يتجمل في تصريحاته لإنقاذ حملته كما فعل خلال الأيام القليلة الماضية. فمن جانب هناك إشكاليات معقدة بات المتطرفون الإسلاميون يفرضونها على أجندة السياسة العالمية لا يستطيع أحد أن يتجاهلها سواء داخل الحزب الجمهوري أو الديمقراطي. هذه الإشكاليات هي التي أعطت لخطاب ترامب المتطرف جاذبيته وسط قطاع كبير من الأميركيين لن يعدموا الفرصة للتجمع حول أفكار الرجل حتى لو خسر فرصة الفوز بالرئاسة. ثم إن هناك احتمالا أكبر في أن تبقى فزاعات ترامب متوهجة في أذهان قادة رأي وشرائح من العامة في كل من أميركا وأوروبا بسبب نمو الشعبويات السياسية حول العالم وزيادة الوزن السياسي لليمين المحافظ في الدول الغربية.
إن ترامب يقدم أسوأ خطاب للكراهية والتخويف والمبالغة والعنصرية ربما منذ سنين طويلة. لكن خطابه يمثل بلا مواربة جانباً من المزاج العام الأميركي. ولهذا سواء فاز أو خسر الانتخابات القادمة، فالأرجح أن فزاعاته لن تكون مجرد مرحلة وإنما بداية لتجربة أميركية جديدة معقدة مع العالم الإسلامي تنذر كثير من الشواهد والسياسات بأنها ستمضي قدماً لسنوات أطول.

بقلم : د. إبراهيم عرفات

د. إبراهيم عرفات