كتاب وأراء

جار غاتسبي العظيم

في رواية «غاتسبي العظيم»، للكاتب الأميركي فرنسيس سكوت فيتزجير، الصادرة في عام 1925، هذه الرواية التي تعتبر العنوان الأبرز في الروايات الكلاسيكية الأميركية، ولأنها، مثل أي عمل إبداعي كبير ومميز وفارق، تمنح أكثر من زاوية للنظر، والقراءة، أو حتى مجرد التوقف وتسجيل ملاحظة خاصة. كانت هذه ملاحظتي الخاصة حول الشخصية التي اختارها الكاتب لتقوم بمهمة الراوي، شخصية الجار، نك كارويه، المحايد، والراصد، والمراقب، والعليم في نهاية الأمر. لم يختر أي من أبطال الرواية للقيام بهذه المهمة، لم يكن غاتسبي نفسه هو من تولى المهمة، لم تكن المعشوقة دايزي ولا الزوج المخدوع توم، بل اختار راويا داخليا مراقبا، وأسكنه، بمصادفة محضة على مقربة من أحداث كانت في بداية وقوعها، وستتأجج لاحقا تحت ناظره. طبعا ولكي يدخل هذا الراوي إلى الأحداث، اضطر، ولكن بحرفة عالية، واختيار موفق، إلى أن يكون لهذا الراوي المراقب، أي الجار، علاقة، غير مؤثرة في صلب الحكاية، لكنها تمهد، وتعطي له الأحقية أن يكون سببا لتنامي الأحداث خلال الرواية، تلك العلاقة التي تربطه بشخصيتين مؤثرتين بالرواية هما: دايزي بوكنان، وزوجها توم. طبعا هذا الراوي الذي سيقوم بمثل هذه المهمة الدقيقة كان يحتاج إلى مقدمة وهو ما قام به المؤلف، إذ مهد لشخصيته مطولا في بداية الرواية، شكل من أشكال إقناع القارئ بأن لهذه الشخصية المضافة على الرواية، مواهب خاصة تستطيع من خلالها رصد كل ما نستطيع بواسطته فهم: غاتسبي العظيم.. كنت وأنا أقراء أحاول تخيل شكل الحكاية فيما لو كان الراوي هو غاتسبي نفسه، ماذا لو كان هو من يتحدث ويصف ويروي، كيف ستتخلق هذه الحالة من الغموض والأسطورية والهوس التي حددت ملامح هذه الشخصية وأنا أتابع القراءة، وهو الشيء– أحد الأشياء- الذي أعطى لهذه الرواية كل هذه المتعة والعظمة. كيف سيكون مقنعا وهو يصف كل تلك الأبهة المبالغ فيها، والبذخ الهستيري، ثم كيف كنا سنقع في الحيرة اللذيذة، والشك حول الدوافع، وفي النهاية الحكم الأخلاقي الذي سيجد أي قارئ للرواية أنه بصدد اتخاذه حول كل ما حدث.. حكم أخلاقي في مشروعية حلم غاتسبي، وغيرة توم، والموقف النبيل والنهائي الذي قام به غاتسبي ودفع ثمنا له حياته، موقف التضحية، وهي الثيمة النهائية التي بالمناسبة أجدها تذكرني وتتناص مع نهاية رواية قصة مدينتين للروائي تشارلز ديكنز، عندما ضحى كارتون بحياته من أجل لوسي.
رواية غاتسبي العظيم تم تصويرها للسينما خمس مرات تحت نفس العنوان، كان آخرها عام 2013، حيث قام ليوناردو دي كابريو بأداء شخصية غاتسبي، وفي جميع الأحوال دائما ما أنصح بأن تتم قراءة العمل الروائي قبل مشاهدته فيما لو تم تحويله إلى عمل سينمائي، إذ أن القراءة السابقة للمشاهدة تتيح لك تسجيل ملاحظاتك الخاصة، وانطباعاتك الذاتية، دون تدخل من المخرج ولا فرض لرؤيته الشخصية، وعموما وحتى لو تمت مشاهدة الفيلم هذا لا يمنع من الاطلاع على العمل في صورته الورقية، إذ لا يمكن بحال أن يتم نسخ كامل العمل في الفيلم، ويظل هناك دائما جوانب سردية ولحظات قرائية لا يمكن لأي صورة نقلها ولا التعامل معها، وهو ما يتيح مشاركتها مع بقية القراء مثلما فعلت معكم هنا حول ملاحظتي الخاصة.

بقلم : ضيف فهد

ضيف فهد