كتاب وأراء

بطولة فن التغافل في العمل

لنعترف أن العلاقات الإنسانية بأكملها مليئة بالثغرات والعثرات، متشابكة جداً للحد الذي أحياناً تفقد فيه البوصلة التي يمكن لها أن تقودك إلى فهم حقيقة الطرف الآخر، في كل علاقة ندخلها شيء ما نفقده بعدها، وشيء ما نكتسبه منها، لا يمكن أن تمر العلاقات الإنسانية في حياتنا مرور الكرام، لا يمكن أن تكون عابرة، الحقيقة أن الذين يعتقدون ويؤمنون بأنه لم يخلّف أحدهم أثراً حقيقياً داخل ذاته وشخصيته، إنما ما يقوده هو عقله الباطن وإرهاصات عديدة، تجعله يؤثر أن يغلق عينيه عن أثر هذه العلاقة التي نطفت جزءًا من روحه ومشاعره.
ربما أكثر العلاقات مشاكسة بالنسبة لي، هي أن أفهم ما يفكر به الآخرون خاصة الذين أعمل معهم، بيئة العمل أكثر بيئة يمارس فيها الإنسان وضوحه الفكري، سواءً تصالحه مع ذاته أو مشاكسته للآخرين، بعد فترة طويلة من العمل ستكتشف حتماً أن من عملت معهم في بداية حياتك هم على ذات السجية والفكر، ولم يتغيروا أبداً، هم ذاتهم في أول مصافحة بينك وبينهم، حينما أخبرك قلبك بأنه لم يرتح لطاقة وجودهم التي ملأت المكان، حينما تفتق ذهنك عن ملاحظات عدّة، ابتداءً من العنف اللفظي الذي تشكلت به مفرداتهم، وانتهاءً بفكرهم المتعنصر الذي كانوا يتباهون به، فكر عنصري تجاه معظم مضامين الحياة، أكبر مما يتخيله عقل الإنسان، وأكثر مما يتحمله قلبه أيضاً، تلك اللحظة التي نزعت به يدك وانسحبت بإرادتك من المكان، لتغادر إلى مكتبك الجديد، وتغلق على نفسك الباب، وتقف مصلوباً أمام شاشة جهاز الكمبيوتر، تعبث بالأوراق التي كتبت عليها أكثر من فكرة، الهاتف الذي تنتظر أن يُبعث في عروقه الحياة ليرن، لينطلق إلى عالمك الجديد، تحاول أن تحفظ رقم هاتف مكتبك الجديد، ولكنك لا تزال منشغلاً بكل تلك الوجوه التي التقيت بها، تلك التي تركت انطباعاً ودوداً، وتلك التي حملتك على ألا تستطيع أن تتخلص من تأثيرهم السلبي، أو مقاومة فك رموز لغة أجسادهم.
إنني أشفق على الذين يبدؤون حياتهم من جديد كموظفين، إنني أودّ أن يكونوا أكثر صلابة منا، وأكثر شغفاً بحب أنفسهم، أدرك أن هذا الجيل يختلف عن الأجيال الماضية، أكثر ثقة في أنفسهم وربما أكثر عدواناً، بسبب انغماسهم في برامج التواصل الاجتماعي المتعددة، والتي جعلتهم قادرين على التعبير عن أفكارهم السلبية والمتوحشة والطائفية، قليل منهم من يستطيع أن يعبّر بسلاسة وفكر متزن، معظمهم ساخطون تجاه من يفوقهم شهرة أو ثراءً، لذا، ربما يكون خوفي في غير محله، ولكن الواقع الحقيقي يختلف عن العالم الافتراضي، فلن يسمح لك أحد مهما كانت قيمة الواسطة التي تحملها بأن تتجاوز عليه في بيئة العمل، فهناك قوانين حازمة ونموذج واضح وعلني بالقيم التي عليك أن تنتهجها، وإلا فسوف يضعونك أمام باب العمل من غير أن يقول لك أحدهم وداعاً.
لكن القلق على هذا الجيل من ألا يكون واعياً بأهمية عمله، وغير متفهم للوجوه المتغيرة وللسلوك الذي أحياناً تشعر بأنك مخير أمامه، إما بالرضوخ أو معاركته طوال ساعات عملك، إنني أتمنى من أي موظف جديد أن يكون مختلفاً جداً، أن يكون أكثر قدرة على التركيز على مهامه أكثر من التركيز على بعض الشغب الذهني، الذي يتعمده البعض ولا يفكر بتغيير طريقته سواءً معك أو مع غيرك، الحياة ليست بالسهولة التي كنت أتخيلها، الآخرون وعلاقتنا معهم أيضاً بذات الميزان من الأسى، كلنا نحلم ببطولة فن التجاهل ولكننا نخسر كثيراً.

بقلم : سارة مطر

سارة مطر