كتاب وأراء

الفلوجة أنين الفُرات

هناك مُدنٌ يرتبط النضال باسمها وكأنما هو قدرٌ لا يفارقها، وهكذا الفلوجة التي كانت محطة للكثير من المعارك والجيوش في تاريخ العراق العظيم.

عندما احتلت بغداد عام 2003 من قبل الأميركان كانت الفلوجة هي أولى مدن المقاومة ومركزها ضد هذا المحتل.

لا يُنكر أحد فاتورة النضال التي دفعتها الفلوجة منذ ذلك اليوم، وحتى الآن، السرد التاريخي لكل ما حدث ويحدث للفلوجة منذ عام 2003 قد يبدو متشابكاً، شائكاً، مليئاً بالشجون بدءا من كل ما قاسته لكسر روح المقاومة فيها زمن الاحتلال الأميركي الذي لم يتورع حتى عن استخدام الأسلحة المحرمة دولياً في معركة الفلوجة الثانية كالقنابل العنقودية، والفسفور الأبيض، بالإضافة إلى ارتكاب مجازر مروعة تم التكتم عليها، ثم تآمر القوى الاستخباراتية لوأد امتداد روح المقاومة، وتفاني القوى الطفيلية لسرقة مكتسبات، وروح المقاومة الفلوجية الأصيلة كما فعلت القاعدة آنذاك مانحةٌ مسوغات محاربة الإرهاب، ومن بعدها داعش لتسكن سماء الفلوجة سُحُباً لا تُمطِرُ إلا براميل متفجرة، وقنابل أودت بحياة العديد من أبنائها، وهجرت الكثيرين منهم.

وفي موجة ما يحدث في العراق بعد الاحتلال سقطت الفلوجة ضمن ما سقطت من مدنٍ عراقية في يد الغول الداعشي، وكان كما قلنا في مقال سابق ان اصبح أهل الفلوجة بين مطرقة داعش،وسندان الميليشيات فاضطروا لقبول داعش كونهم اقل قسوة من الميلشيات التي تتعامل بوحشية أقسى من القتل، وتقتل على الاسم، والقبيلة، والمذهب بوحشية فاقت وحشية داعش، وتجاوزت قطع الرؤوس إلى تمزيق الأجساد، وسلخها، وحرقها وتصوير كل ذلك بتشفٍ واضح، يكفينا ابوعزرائيل مثالاً، كما أن الهارب من هجير داعش لا يجد إلا نار الميليشيات وهذا ما يجبر أهل الفلوجة اليوم على الموت ببطء جوعاً، ومرضا بدل الخروج منها بعد أن سمحت لهم داعش بذلك كما يقال والموت على يد الميليشيات ذبحاً.

مريعٌ أن تختار بين الموتتين...هذا والموت ذاته اكثر ما يؤرق البشر، لعل ذلك ما دفع تلك المرأة الفلوجية أن تربط أبناءها الثلاثة إلى خصرها وتقفز إلى الفرات في محاولة منها لعبور النهر علها تجد خياراً آخر، وبشراً ما زالوا يحملون صفات الإنسانية على الضفة الأخرى فترق قلوبهم لامرأة ضعيفة، وأطفال بؤساء جوعى فكان الموت غرقا هو ما اختارهم.

وتبقى الفلوجة كلها ملحمة حزينة اخرى من ملاحم عصرنا تفضح الوجه القبيح لكل من شارك في عذاباتها، تفضح ذلك البغدادي الداعشي الذي ادعى دولة، وخلافة ثم ترك شعبه المزعوم يلاقي كل هذه الويلات.

تفضح تلك الميليشيات المتشبعة حقداً، وجهلاً، ووحشية وكل من خلفها، ويدعمها،

تفضح ذلك العالم المغرور المتحضر الذي لا يعترف بإنسانية إلا من يحمل جواز سفره.

وتفضح كم أصبحنا هينين، ضعفاء.

بقلم : مها محمد

مها محمد