كتاب وأراء

الخوف من.. الآخرين

الخوف من أحكام وآراء وأفكار الناس عنّا، كردة فعل قبل وأثناء وبعد أفعالنا أو أقوالنا أو صفاتنا، وحتى حضورنا يقتل – غالبًا- جانبًا متوقدًا في شخصياتنا. وفي كثيرٍ من المواقف نموت، ثم نموت، ثم نموت، حتى ننتهي، ثم نُقبر. الميتة الأولى: فقد الثقة بالنفس، الميتة الثانية: تعظيم الخوف في أنفسنا، الميتة الثالثة: تجنب الابتكار والإبداع والتعبير عن وجهات النظر. والنهاية، انفصام شخصية، بين من نحن في (داخلنا)، وما نتحدثُ عنه، أو نظهرُ عليه، أو نعيش مرحلةَ اليأسِ والعجزِ عن التطوّر بسبب حالة الكبت المتكرر الذي نمارسه ضد أنفسنا في التعبير أو التفكير أو التصرف.
لكن لماذا نخاف؟ ومما نخاف؟ وممن نخاف؟
الخوف ذلك السجن المعنوي الكبير الذي يغتال الكثيرين، دون أسوارٍ ملموسة. لكن لماذا نعوّل الكثير على آراء الآخرين؟ لماذا نتصوّر بأن آراءهم حكم نهائي صدر من قاضي المحكمة؟! لماذا يتحول إيماننا العميق حول قضيّة معينة إلى رأيٍ هشّ بمجرد أن نسمع أن أحد الحاضرين يخالفنا الرأي، بل لا نتجرأ في البوح بمكنوناتنا خوفًا من صدمة التعليق أو التعقيب أو الانتقاد؟! لماذا نتوقف عن التصرف بعفوية، الحديث بصدق، ارتداء ما نُحب أو نكره عن قناعة، مخافة (الناس)؟!
ماذا سيقول الناس؟ ماذا سأفعل لو علّق عليّ أحدهم؟ ماذا لو اعترض أحدهم على ما أقول؟ كيف سيتصرف الناس؟ كيف سيتقبّلني الناس؟ هل ما ارتديته ملائم أم عليّ تغييره؟! كيف؟ ولماذا؟ ومن أين؟ ومتى حصل هذا؟! تساؤلات لا تنتهي، تختم جملتها بكلمة الناس!. وكأن مصائرنا مربوطة بهم!.
هل الأمر متعلقٌ بالثقة بالنفس؟ الثقة المهزوزة بالنفس ليستْ مبررًا كافيًا لنُصرع من الخوف بسبب وجهة نظر الناس وأحكامهم، لكن ضعف الثقة بالنفس هو نتيجة طبيعية للخوف منهم، وتجنبهم، والسعي نحو رضاهم، والسماح لهم بأن يستعبدونا بأفكارهم وقراراتهم واقتراحاتهم التي نُلزم أنفسنا بها حتى لو لم يفرضوها علينا. فالواقع يؤكد أننا في غالب الأحيان نحن من تقبلَها عن قناعة أو مضض ثم وضعناها وسامًا على صدورنا حتى لو كانت تخالف قناعاتنا ورغباتنا؛ خوفًا من الاعتراض، خوفًا من الانتقاد، خوفًا من (التفشّل).
هل الأمر متعلق بأن من حولنا يحملون بندقية أو عصًا أو لديهم عضلات مفرودة، ويعملون كـ(بودي جارد)، جعلوا عصيّهم وسككاينهم حول أعناقنا؛ لذا نُكْبِر قدرهم، ونخاف منهم، ونطلب رضاهم؟! في الغالب، كلا!.
سمعتُ مثلًا من عجوزٍ قالته لأخرى أغاظتها: «حُبك ما يبني لي قصر، وكرهك ما ينزلني (يدخلني) القبر». استحضره هنا، وأتساءل، ماذا لو طبّق المرتعدون من آراء الآخرين المثل بطريقة ما، ولنقل: «رأيك لا يبني لي قصرًا، ولا يدخلني قبرًا». لأن هذه هي الحقيقة، من يستحق الخوف ومراقبته في تصرفاتنا هو الله عزّ وجل لا غير. فهو الوحيد الذي بيده تقرير مصائرنا.
كما أن وجهة نظر الناس ليست نهاية العالم، يعتريهم النقص كما يعترينا، وكل إنسان له الحق أن يبذل وسع طاقته ليرتقي بفكره ومعرفته وآرائه حتى تصبح أقرب للصواب. تبقى الروح (الرياضية) التي تتقبل فكرة أن الكمال في المعرفة أمرٌ مستحيل. وأن الخطأ منّا جميعًا وارد دون استثناء، وأن وجهة نظر أحدهم إن لم تدعم وتبني موقفنا لن تُضعفنا إلا بإرادتنا، كما أن لنا مطلق الحرية في تبني أيٍّ من الآراء حتى لو تعارضت مع أقرب الناس لنا ما دام الأمر لا يمسّ أو يخالف المبادئ الحقة والأعراف والتقاليد الصحيحة والتي لا تخالف الشرع الذي هو أساس تنظيم المجتمع.

بقلم : زهرة بنت سعيد القايدي

زهرة بنت سعيد القايدي