كتاب وأراء

قرميد أحمر وقرميد أسود



فاقع هذا التفاوت الفج بين الفوارق الاجتماعية والمادية في مجتمعاتنا العربية.. وهو سوس متوغل في عقر بيوتنا، ينخر ويجرح بمقص ذي سنين: أحدهما قاطع وهو الجهل والآخر ممزق وهو الفقر.. على أن الفقر بمذاقه العربي شديد القبح والمرارة.
لقد شاهدت الفقر في عدد من بلدان العالم منها جورجيا.. بيد أنه كان فقراً أليفاً لا يخدش كرامة الإنسان.. فبيوت الأغنياء من قرميد أحمر وبيوت الفقراء من قرميد أسود.. والفوارق موجودة لكن ليست مذلة.
- أما الفقر العربي فيسمح بوجود من يصطاف في المالاديف، بوكيت، توسكانا ولندن.. ويجيز وجود من يشتاتون على جبال الألب للتزلج.. بينما في نفس العائلة، هناك من لا يجرؤ على التطلع لرؤية العالم سوى من التلفاز.. وفصول العام لديهم كلها في الهم سواء.
- فئة تتبضع من أضخم المجمعات التجارية حيث الماركات العالمية والأسعار الجهنمية لـ«لويس فيتون» وسواه، وفئة أخرى من ذات الرحم تبتاع من أسواق الحراج في الخليج والوكالة في مصر وسوق الأحد بلبنان!
- عائلات تقطن بفلل بمجمعات بضواح راقية، ثم إنهم يتظاهرون للحفاظ على البيئة، بينما أقاربهم محشورون في عشوائيات تساهم في تدمير تلكم البيئة ولا تصلح لإقامة حيوان أليف!
- أسر حريصة على تعليم أبنائها في مدارس دولية باهظة، ثم لتجدنهم أشد حرصاً على ابتعاث الصغار لاستكمال دراستهم بجامعات أوروبا.. بينما إخوانهم لا تتاح لهم فرص التعليم الجامعي الحكومي على علاته.
- ناس تتحدث الأجنبية بطلاقة، ثم يكسرون عربيتهم ويدشونها دشاً، كما ينادون آباءهم بـ: «داد» و«مام»،على أن أبناء عمومتهم تنادي: «بابي» بشكل مقزز وبمنطوق غير سليم.. ثم لتجدنهم أن حتى عربيتهم ليست على ما يرام.
- ناس تتزين بالماس، فيما تخلوا حياة أنسابهم –حتى- من زينة رمضان.
- أشخاص يتصافحون بما يعرف «باللفرندشيب كيس»، بينما بنات خالتهم منتقبات يُحَرِمون المصافحة ويجرمون أعياد الميلاد ويكرسون أعمارهن للجهاد الإلكتروني.
- عوائل تركب سيارات رباعية الدفع وأصهارهم يركبون التوك توك.
- كبراء مشغولون بمناصبهم الكبيرة وأسلافهم مطحونون بمصائبهم الثقيلة.
- بيوت تهتم بهوايات صغارهم، فيعلمونهم الفروسية والسباحة في نواد يصعب الاشتراك فيها إلا لذوي الدخل المرتفع، بينما لا يحق لقراباتهم التفكير في ترف الرياضات.
- أسر تشتكي من ارتفاع أسعار كعكات «كرنفال»، فيما بيوت تصرخ لو زاد سعر السكر والزيت، على أنهم يقترضون لشراء كعك العيد من «بشبش».
- أسر تقيم أعراسها بحفلات «ماتينيه» بفنادق سبع نجوم، فيما أقاربهم يقصرون فرحتهم داخل أسوار القلوب، وإن فرحوا.
- حتى المقابر، يتفاضل بينها، ففيما يدفن الموسرون أمواتهم بمدافن بعيدة عن المناطق السكنية، نفاجأ بأن ذويهم البسطاء يسكنون وسط المقابر.
كل ما سلف موجود في عوائلنا التي لا تجتمع حتماً سوى في مناسبات العزاء.. والمؤسف أنهم وإن لم يتنكروا لبعض، بيد أن الكثيرين منهم لا يعرفون بعضاً أساساً.
نحن لا نعتقد بصلاح الفقراء وفساد الأغنياء ولكن المشهد بتناقضاته قبيح ويؤلمني التنكر للفقير والتنصل من الضعيف.
هم منا ونحن منهم وإن لم نستطع مساعدتهم، فحري بنا عدم التنصل منهم.
ولازلت اكره شعار «قوتك في عيلتك» لأنه يعطي مبررا نفعيا للتشجيع على الاهتمام بالأسرة.. فإن كنا نهتم بأسرنا لكونهم مصدر قوتنا.. ففقراء العائلة ليسوا مصدر هذه القوة ولكنهم دليل إنسانيتنا من عدمها.. وليحذر الموسرون يوماً لن يجد فيه فقراء العائلة شيئا يأكلونه سوى أرحامهم الأغنياء.
بقلم : داليا الحديدي

داليا الحديدي