كتاب وأراء

حرب المياه.. هل تندلع؟ وأين؟

تعد هذه السنة من السنوات الماطرة في كثير من أرجاء القارة الإفريقية، خاصة في منطقة شرق إفريقيا والهضبة الإثيوبية.
عادة ما تنعكس أمطار الهضبة إيجاباً على نهر النيل، وهو ما يعني أنباء سارة لكل من السودان ومصر.
لكن ارتفاع منسوب مياه النيل يجلب معه أيضاً أخباراً مؤسفة، خاصة للسودانيين، حيث عرفت بعض المناطق فيضانات جرفت منازل وأدت إلى مقتل عشرات.
مشكلة السودان المزمنة هي ضعف البنيات التحتية.
تحسن الأحوال المناخية يسعد أيضاً المغاربة الذين يعملون ليل نهار لاحتضان «قمة المناخ» بمراكش في نوفمبر المقبل.
الرهان الأساسي خلال هذه القمة خفض حرارة الأرض درجتين على الأقل.
هطول الأمطار بغزارة من العوامل المؤثرة في تحقيق هذا الهدف.
كان هناك تقرير نشره البنك الدولي قبل فترة يشير إلى أن «حرب المياه» يمكن أن تقع في إفريقيا وآسيا، لكنها أكثر ترجيحاً في إفريقيا.
ظني أنه تقرير متشائم.
عندما قررت إثيوبيا تشييد «سد النهضة» كاد الأمر يتحول إلى مجابهة بين مصر والسودان وإثيوبيا، يومها تطايرت تصريحات أدت إلى توتر بالغ في المنطقة.
كان ذلك يشكل نموذجاً للمشاكل التي يمكن أن تنجم عن نزاعات أنهار تعد في كثير من الأحيان هي الفاصل الحدودي الطبيعي بين بعض الدول.
في تقرير البنك الدولي نماذج للنزاعات المحتملة بسبب المياه، من ذلك نزاع متفجر بين ناميبيا وبتسوانا في جنوب إفريقيا، حيث تتنازع الدولتان على نهر «شوب» وكاد الأمر يؤدي إلى اندلاع حرب بينهما عام 1996، بسبب ادعاء كل طرف ملكية جزيرة سياحية وسط هذا النهر، ولنزع فتيل التوتر قبل الطرفان اللجوء إلى «محكمة العدل الدولية» في لاهاي.
بيد أن المشكلة لاتزال قائمة على الرغم من أن قرار المحكمة كان لصالح بتسوانا، لكن ناميبيا وفي بادرة غير مسبوقة في التاريخ الحديث، اختارت أن تضمن دستورها الدائم فقرة حول حدودها الدولية، لا توجد دولة في العالم تشير إلى حدودها في دستورها الدائم، لكن ناميبيا فعلت ذلك حتى تقول إن حدودها هي الضفة الأخرى من نهر «شوب».
لعل من حسن حظ الدول العربية، باستثناء السودان ومصر، أنه لا توجد فيها أنهار تنبع في دولة مجاورة، وفي كثير من الأحيان لا توجد أنهار أصلاً، وتعتمد المجتمعات العربية على مياه البحر بعد تحليتها أو على مياه الآبار الجوفية.
ثمة مشاكل مياه من نوع آخر في المغرب العربي، من ذلك عدم صلاحية مياه الأودية خاصة في موريتانيا وتونس وليبيا.
المشكلة في الجزائر والمغرب الذي كان قد احتضن أول مؤتمر دولي للمياه في مراكش عام 2003، هو تلوث الأنهار، وأبرز مثال على ذلك نهر «سبو» في المغرب.
حتى ندرك الفوارق الكبيرة في استهلاك الفرد للمياه بين المنطقة العربية والغرب، علينا أن نتأمل هذه الأرقام:
نصيب الفرد الأميركي من المياه هو الأعلى في العالم؛ إذ انه يستهلك في جميع الاستعمالات ما مجموعه 360 لتراً في اليوم، والأوروبي 212 لتراً، في حين لا يتعدى نصيب الفرد في إفريقيا والعالم العربي 20 لتراً فقط من المياه في اليوم.
لا توجد إحصائيات دقيقة حول استهلاك المواطن العربي من المياه يومياً، إذا وجدت أرقام فإنه لا يعتد بها، ذلك أن الفرد يزداد استهلاكه أو يتراجع طبقاً لتقلبات أحوال الطقس.
الإشكال الثاني أن ضبط الكمية المستهلكة من طرف الفرد مسألة شائكة، وإذا كان الأمر يسهل نسبياً في المدن، فإن ذلك يكون صعباً في القرى والبوادي.
يمكن الحصول في المدن على كمية الاستهلاك الفردي من مؤسسات المياه الحكومية التي توزع المياه العذبة على المساكن وجميع المرافق، لكن مثل هذه الخدمات لا تصل في الغالب إلى القرى والبوادي، وبالتالي يتعذر معرفة كميات المياه المستعملة.
أختم لأقول إن «حرب مياه» سيناريو بعيد الاحتمال، لكن الأمر بات يحتم وجود «وزير مياه» في أي تشكيلة حكومية.

بقلم : طلحة جبريل

طلحة جبريل