كتاب وأراء

تونس وتنصيب الحكومة الجديدة

تمّ في تونس الإعلان عن تشكيل الحكومة الجديدة وهي ترى النور بعد تجاذبات شديدة فرغم ما يوحي به المشهد بأن تجديدا ما هو بصدد الإنجاز وأن الفريق الحكومي الجديد سيتجاوز ما عجز عنه أسلافه القدامى في الحكومة السابقة فإن كل المؤشرات والأدلة المادية والمعنوية تؤكد بما لا يدع مجالا للشك بأن الحكومة الجديدة لا تختلف كثيرا عن الحكومة السابقة.
المجتمع التونسي بكل فئاته الاجتماعية يعيش أوضاعا شبه مأساوية من ارتفاع المرعب للأسعار وانتشار كارثي للفساد والرشوة والمحسوبية والوساطة بشكل فاق ما كانت تمارسه عصابات النظام القديم إبان حكم الرئيس الهارب بن علي. المشهد الإعلامي باعتباره المعبّر الأساسي عن المشهد التونسي يلخّص لوحده حجم الخراب والدمار الذي طال المجتمع والدولة عبر تخصصه في نشر الاشاعات والتضليل ومحاربة الهوية لغة ومعتقدا وإمعانه في تغييب المواطن عن دوره وعن حقوقه وعن الأخطار التي تحدق به من كل صوب.
الثابت في المشهد التونسي اليوم جملة من العناصر التي قد لا يختلف فيها كثيرون في الداخل:
أولها أن الثورة التونسية الخالدة بكل شعاراتها ومكاسبها هي بصدد التصفية لأن الجميع من نخب الاستبداد التونسية لا يرى له مصلحة مباشرة في تفعيلها أو في السعي إلى تجسيدها عبر بعض الوسائل القانونية التي أفرزتها الثورة على نُدرتها.
الثاني هو أن الوضع التونسي لا يُتحكم فيه داخليا بقدر ما هو يُدار مباشرة من الخارج وخاصة من الدوائر المالية العالمية المُقرضة أو من طرف بعض السفارات الفاعلة في المشهد التونسي.
الثالث هو سيطرة الدولة العميقة ـ بما هي هياكل وظيفية مبثوثة في كامل مفاصل الدولة التونسية ـ على مراكز القرار بشكل يستحيل معه إجراء أي إصلاح جذري يحقق انتقالا حقيقيا نحو دولة الكرامة والعدالة الاجتماعية ونحو الشعارات التي من أجلها سقط شهداء ثورة الغضب التونسية.
الرابع استحكام الفساد وثقافة الفساد وأخلاق الفساد بشكل يستحيل معه تحرير الإدارة التونسية والاقتصاد من قبضة العصابات واللوبيات المتحكمة فيه بل إن الفساد نجح في خلق دولة له داخل الدولة كما نجح في خلق أذرع إعلامية وسياسية حزبية تمنع الوصول إلى جذوره العميقة.
خامس العناصر الثابتة في تونس اليوم هو أن تحالف الإسلاميين مع جماعة بن علي في ثوبهم الندائي الجديد لم يكن إلا على حساب الثورة والثوار حيث تقاسم المكوّنان المشهد السياسي في إيهام بأنه ليس في الإمكان أفضل مما كان وبأن التوافق هو الذي أنقذ الثورة في حين أن الثورة هي التي أنقذت الإسلاميين بأن أعادتهم من منافيهم الوثيرة إلى أرض الوطن.
الحكومة الجديدة ذرّ للرماد في العيون وهي أعجز من أن تواجه جبال الفساد وغابات النهب في تونس بل إنّها تحمل بين أعضائها عناصر من أكبر الفاسدين والمفسدين في نظام بن علي. الحكومة الجديدة تولد ميتة إلا ببعض الاكسجين الذي يمده بها جماعة النهضة في حين يتحكم في عجزها وفي تفعيل هذا العجز الطابور الخامس المبثوث في مراكز القرار على شواطئ الشمال الهادئة وفي الحواضر الراقية بعيدا عن ضوضاء العمق ومناطق الفقر والبطالة وفي معزل عن أنين «أولاد الحفيانة» من البؤساء.
بقلم : محمد هنيد

محمد هنيد