كتاب وأراء

مصير سوريا : كرة في لعبة الأمم

من يملك القدرة على التنبؤ بمجرى الصراع في سوريا اليوم؟
حتى الأمس القريب كانت التحالفات ظاهرة وصريحة،والمحاور واضحة في ميادين القتال.لم يعد هذا قائما في الوقت الحالي،اختلطت الأوراق لدرجة يصعب جمعها وترتيبها من جديد.
ثلاثة تحديات كبرى فرضت على القوى الإقليمية والدولية التصرف بطريقة مغايرة في سوريا. الأول، تحول تنظيم داعش إلى قوة إرهاب عابرة للحدود.والثاني خروج المارد الكردي من قمقمه.والثالث،تسليم القوى الحليفة لنظام بشار الأسد بعجزها عن حسم الصراع عسكريا مع المعارضة.
خطر «داعش» فرض على القطبين الدوليين؛أميركا وروسيا الانخراط في تعاون عسكري لكسر شوكة التنظيم، وانضمت تركيا إلى هذا الجهد بعد التفجيرات الإرهابية التي نفذها التنظيم الإرهابي في أنحاء عدة من تركيا. لكن ماحصل في مدينة منبج، وفي شمال العراق، فتح عيون الدول الإقليمية على تحد جديد تمثل هذه المرة بالكرد الطامحين لكردستان الكبرى،والممتدة من شمال العراق إلى عمق سوريا حتى الحدود مع تركيا. ومن يستطيع بعد ذلك لجم الدولة الفتية عن التمدد نحو تركيا.
بدا هذا التطور مصدر قلق لتركيا وإيران أيضا التي تتململ في جوفها حركة كردية نشطة،لايمكنها أن تتخلف عن دورها في تحقيق الحلم الكردي الذي طال انتظاره.
بالنسبة لتركيا،يمثل قيام إقليم كردي على حدودها خطا أحمر،لايمكن قبوله تحت أي ظرف.
روسيا تدرك هواجس تركيا،وأميركا تتفهم بواعث قلقلها.إيران مضطرة لمد يدها لتركيا بغض النظر عن الخلاف الكبير في المواقف حيال الأزمة السوريا.
خطر الكرد لم يكن بحسبان الإيرانيين،لكن الكابوس يتحول إلى حقيقة. كان يمكن لنصر حاسم في سوريا أن يجنبها تداعيات الصراع.بيد أن طهران باتت على قناعة باستحالة تحقيق ذلك.معركة حلب الحاسمة انتهت إلى انكسار أعاد الميدان إلى حالة «الستاتيكو».والنظام الحليف في دمشق يفقد زمام المبادرة على كل الجبهات رغم الغطاء الجوي الروسي، وعشرات الآلاف من أفراد المليشيات الإيرانية على الأرض.
روسيا فتحت معركة جوية من قاعدة همدان، لكن سوى القتلى من الأبرياء لم يتحقق شيء.
زيارة الرئيس التركي رجب طيب أردوغان إلى روسيا، منحت الطرفين فرصة تأمل الأهداف المشتركة في المرحلة المقبلة؛تحطيم «داعش»وكبح جماح الكرد بإقليم مستقل في سوريا، يحاذي حدود تركيا ويهدد عمقها الاستراتيجي.
سمحت هذه المتغيرات لتركيا بتوسيع دائرة المناورة،فكان لابد من فتح قنوات الاتصال مع طهران،عبر زيارة وشيكة سيقوم بها أردوغان لطهران.
محور المباحثات التركية الإيرانية سيكون الملف الكردي،وكيفية إدارته. ليس ثمة فرصة لتفاهمات أوسع بين البلدين في هذه المرحلة. هي فقط مصالح آنية أملت عليهما تنسيق المواقف.
النظام السوري خارج معادلة مختلف القوى المتصارعة في سوريا. الجانب الروسي أصبح هو المتحدث باسم سوريا في النشاطات الدبلوماسية والمحافل الأممية.حتى في الميدان العسكري الجنرالات الروس هم من يعقدون الاجتماعات ويديرون الاتصالات حول سوريا مع جميع الأطراف.وقريبا ستنشأ غرفة عمليات أميركية روسية مشتركة في عمان،واخرى في قاعدة حميميم التي يسيطر عليها الروس،لإدارة العمليات العسكرية المشتركة ضد»داعش».
هذه التحولات على أهميتها،والتقاطعات بين المعسكرين الرئيسيين في سوريا، لا تؤشر على قرب حل الأزمة،رغم التصريحات المتفائلة التي يطلقها بعض الساسة.
كل مافي الأمر أن مصالح الأطراف المتصارعة في سوريا، تقاطعت عند بعض المفترقات.أما سوريا فستظل إلى امد غير منظور كرة في ملعب الأمم.
بقلم : فهد الخيطان

فهد الخيطان