كتاب وأراء

«أُمة» للخلف در

وعي الفرد يحدد هويته الثقافية، فنقطة انطلاق هذا الوعي مهمة جداً في تحديد مساره الثقافي. اتهام الغير لنا بأننا ماضيون تبدأ من هذه الافتراضية فانطلاق وعينا كأمة إسلامية يبدأ من مجتمع الكمال في تصورنا «المجتمع الإسلامي الأول» ويتناقص هذا الكمال شيئاً فشيئاً بمجرد الابتعاد عن تلك المرحلة فيصبح بالتالي الأمل والرجاء هو في استعادة هذا الكمال فتتجه الرؤوس بالتالي إلى الخلف إلى تلك البؤرة من التاريخ وبما ان الماضي قد اكتمل في وعينا فان الحاضر لابد وان يكون دائما منقوصا لسبب مادي واضح وهو استحالة اعادة الماضي وظروفه وشخوصه.بينما العكس هو الصحيح لدى الغرب حيث يبدأ من الحالة الأولى البدائية أي نقطة الصفر التي لا تستلزم أية تنظيم أو اعداد إلى حالات أخرى يُبنى فيها المجتمع المدني شيئاً فشيئاً فالمثال لديهم هو في القادم عكسه تماماً ما يمكن تصوره بالنسبة لدينا كأمة. تفكيك هذه النظرة يتطلب حاضراً أفضل ومستقبلاً يحمل الأمل بين أجنحته هنا لابد أن نفرق بين علاقة الأفراد بالماضي وعلاقة المجتمع به، فالأفراد محكومون دائماً بهاجس الفناء بينما المجتمع مستمر ودائم فالمساحة مختلفة بين الاثنين ونتائجها كذلك مختلفـة، فالاستمرار يفرض نوعاً من التفكير مخالفاً لفكرة الفناء ونهاية المطاف. وهنا أعود إلى علاقة الدولة بالمجتمع وأهميتها بالنسبة لتحديد العلاقة مع الماضي، عندما تكون الدولة إفرازاً حقيقياً للمجتمع فإنها تعتنق تصوراته وآماله واستمراريته المترسخة كما ذكرت في فكر أفراده ولكن عندما تلتهم الدولة المجتمع وتفرض عليه تصوراتها للمستقبل المحكومة بالفناء والاستلاب خاصة إذا لم تنبع منه وبحكم أن النظام أو الدولة مجموعة من الأفراد تراعي في الأساس مصالحها الخاصــة.
فالأمر مختلف تماماً حيث لا يجد المجتمع بدأ من اللجوء إلى الماضي لكي يحدث التوازن بينه وبينها بعد شعوره بانعدام الرؤية الواضحة للمستقبل بعد فرض الدولة تصوراتها الشخصية على ذلك المستقبل. حتى التكنولوجيا الحديثة التي يستلزم استخدامها نظرة متوافقة معها لم تفلح في إعادة التوازن بين الجانبين طالما كانت الدولة مسيطرة على المجتمع بشكلها الذي نشهده في مجتمعاتنا العربية والإسلامية ومظاهر الحداثة والتحديث من مناهج تعليمية وجامعات أجنبية وسلع استهلاكية كلها لا تحل الأشكال، وتلوى بعنق المجتمع إلى الأمام بدلاً من الوراء، طالما أن هذا العلاقة كما أشرت بين الطرفين غير متوازنة. فكم فرضت الدولة في مشرقنا من أيديولوجيات ولكنها لم تستمر وما لبث أن عاد المجتمع متمشقاً سيف الماضي وخطورتها أي العودة هنا أنها «نصيه «أي تعتمد على النص حرفياً لانغلاق الرؤية وهي تختلف تماماً عن عودته «الاستيعابية «فيما لو تركت لـه الخيارات كمجتمع لكي ينمو ويجذب من أوصاله لكي يتسق مع واقعه الذي يعايشه. أن الماضوية المترسبة في أعماقنا ليست خياراً بقدر ما هي فرضاً فرضته ظروف جعلت من المجتمع تابعاً للدولة، وتحت سيف سلط من السلطة، وبالتالي هي تفكر نيابة عنه بينما المستقبل يتطلب أن يكون العكس هو الصحيح. فعندما يتجمد الوعي في نقطة تاريخية معينة لا يغادرها تتجمد كذلك وسيلة الاتصال الثقافي معه، ويبقى فقط المرور الجسدي هو وحده المتحرك عبر الأزمنة، فالجسد حاضراً ماثلاً أمام العيان بينما الوعي يمكث بعيداً في حقبة من حقب التاريخ الغابر، فرضتها سوداوية الحاضر وأنياب السلطة العربية البارزة كبروز أنياب الليث المتحفز.
بقلم : عبدالعزيز الخاطر

عبدالعزيز محمد الخاطر