كتاب وأراء

كي لا ينتصر الخراب

أشهر قليلة ويكون قد مضى على بداية الكارثة السورية ست سنوات كاملة، عادت فيها سوريا إلى ما يمكن تسميته بعهد الانحطاط بكل ما تعنيه الكلمة، فبعد انقضاء الأشهر التسعة الأولى من بداية أعظم ثورة كان يمكن أن يذكرها التاريخ في العصر الحديث، رغم ما قوبلت به من كل أنواع الإجرام من قبل نظام أشباهه قلة في التاريخ البشري، بدأت الكارثة السورية الحقيقية عندما اتخذ قرار ما في مكان ما من هذا العالم بتسليح الثورة السورية والبدء بأسلمتها وتعزيز ما اشتغل عليه النظام من محاولات التطييف والتفرقة والتقسيم في المجتمع السوري.
لنعترف جميعا بجرأة، بأن الخطة قد نجحت تماما، وأن النظام وحلفاءه من جهة، والمعارضة السياسية الفذة وحلفاءها من جهة ثانية، تمكنوا من تحويل سوريا من بلد كان يمكن لأبنائه الذين حلموا بالتغيير أن يجعلوا منه بلدا عصريا بكل مواصفات الدول الحديثة الديمقراطية، إلى بلد منهار ومحتل ومجتمع مفكك وشعب بين قتيل وجريح ومشرد ولاجئ ومنفي ومهدد ومحاصر، هذا عدا عن الدمار للبنى التحتية ودمار المدن الحضرية والأثرية والمناطق والقرى، وعدا عن سيطرة عصابات الاسترزاق والقتل والخطف والموت والجهاد وتجارة الدم والحرب على كل الأراضي السورية، وعدا عن السعي اليومي للتغيير الديموغرافي في سوريا، وعدا عن بيع سوريا وثورتها من قبل الجميع.
لنعترف بجرأة إذن بأن سوريا بما هي عليه اليوم لا شبيه لها سوى الخراب، حتى بمناطقها الآمنة والتي لم تتعرض للأذى، فالخراب هو المنتصر وهو السيد وهو الحاكم، وككل البلدان المنهارة والمفككة، يتم اليوم اقتسام ما كان يسمى سوريا من قبل الجميع، الجميع ممن ادعوا ذات يوم أنهم أصدقاء ثورتها ومستقبلها، وممن كانوا واضحين منذ البداية أنهم أعداء هذه الثورة، فالدول اللاعبة في المنطقة اليوم تعيد ترتيب تحالفاتها، ومن الطبيعي أن تكون سوريا هي ثمن إعادة الترتيب، فهي الأضعف حاليا، وهي الجاهزة للقسمة، وهي المفيدة لبدء مرحلة جديدة من العلاقات الاقتصادية والعسكرية والسياسية بين الدول الكبرى في الإقليم والعالم، والتي تصارعت على مدى ست سنوات بدم السوريين وأرواحهم ومستقبلهم.
وها هي اليوم تبدأ بدخول مرحلة جديدة من العلاقات المترابطة أيضا بدم السوريين وأرواحهم ومستقبلهم ومستقبل بلادهم، فهذا الدم لا بواكي له سوى أهله، ومستقبل هذا البلد ليس في خاطر أحد غير خاطر أهله.
آن الأوان أن ينتبه السوريون إلى هذا، أن ينتبهوا أن من اعتبروهم أصدقاء ما هم إلا لاعبو سياسية ومصالح، وأن من اعتبروهم حلفاء معنيين بما يخدم مصالحهم ومصالح بلادهم، ولا يعنيهم دم السوريين، لا المعارضين منهم ولا الموالين، آن الأوان أن ينتبه السوريون جميعا أن بلدهم مصيره الزوال، وأن الجميع بدأ باقتسام هذه الكعكعة، وأنهم إن لم يسارعوا إلى لملمة ما تبقى من البلد سوف يصحون فجأة ويجدون أنفسهم غرباء ولاجئين في بلدهم، آن الأوان أن يعترفوا جميعا أنهم محكومون بالعيش معا، رغم كل الاختلافات والخلافات، أن الآوان أن يحاكم من تسبب بكل هذا الخراب وأن تتحقق العدالة، كي ترتاح الدماء التي ملأت أرض سوريا. آن الأوان لكل هذا وإلا بعد أشهر قليلة ستبصح سوريا مجرد اسم قديم لدويلات جديدة تتصارع فيما بينها.

بقلم : رشا عمران

رشا عمران