كتاب وأراء

المثقف الرسولي وعقلية الإقصاء

عندما يستخدم مثقف مصطلح الـ «هم» والـ «نحن»، ويبرز مميزات النحن، وعيوب الهم، ويبين تنويرية الذات وظلامية وجهل وسذاجة الآخر، يكون وقتها- وليسمح لي- غافلا بشكل كامل عن أنه ينطلق بداهة من نفس البناء العقلي الذي يشنع عليه وينتقده ويبعده ويناء بنفسه عنه هو ومن اصطفاهم من الـ(نحن الأقلية). بحيث يعود للدخول إلى نفس البناء الذي قرر تركه ليشتبك في عداء وإن كان على المستوى اللفظي مع الهم.. أقصد بذلك منطق الإقصاء وبناء شكل تصنيفي استعدائي قائم على قسمة مجتمع واحد إلى اثنين، وهو بهذا يخلق تمايزا وثنائية اجتماعية فارقة وكأن ما يمتلكه المجتمع منها إلى الآن ليس كافيا.. هو بنظره إلى نفسه وإلى ما يقدمه يتصور نفسه مناضلا ضد كل ما يعيق خلق مجتمع مدني قائم على المساواة خال من أي شكل من أشكال الطبقية الناتجة عن الاختلاف اللوني أو الديني أو حتى إثنية قبلي/حضري.. مجتمع يسير نحو آفاق أرحب وتعددية بناءة لا متصارعة أو تنظر إلى بعضها البعض بشكل عدائي.. أو هذا ما يفترض به كمثقف يرى أنه كذلك.. لكنه وفي لحظة نسيان تام لهذا المنطق النقدي المقبول، يتخندق مثله مثل من ينتقدهم في خندقه الخاص والبغيض أيضا، دون أن يشفع له، أو يمنحه رفعة هذا التوصيف الذي يطلقه عليه خندق المثقفين وجبهتهم.. في مواجهة خندق الظلاميين وأتباعهم مشكلا ثنائية اجتماعية غير مبررة كان يفترض به أن ينقدها بدلا من أن يمارسها، هو إذن في الجذر- وليسمح لي أيضا- هناك حيث تنشأ الأفكار وتنطلق لا يختلف عن الظلاميين كما يصفهم في شيء، هم يقسمون المجتمع إلى: متدين وليبرالي مثلا.. هو قام بذات القسمة واستخدم نفس المنطق ودخل إلى ساحة المعركة نفسها وحفر لنفسه خندقا هناك ونادى النحن للاصطفاف معه، ودخل في تبادل إقصائي مشترك معهم، هو يبعدهم من دائرة النور والتحديث، وهم يبعدونه من دائرة الدين والأخلاق، أو مهما يكن. هم يقدمون أنفسهم كأوصياء على الدين والقيم والأخلاق، هو يقدم نفسه كوصي على الفن والجمال والتحديث، يشنع على رسوليتهم لكنه في المقابل يقدم نفسه كرسول وله أتباع مصطفين من النحن.. غافلا بشكل واضح عن أن دوره المفترض ككاتب هو تفكيك مثل هذه الحالة لا التماهي معها، باستخدام أدوات جديدة للتفكير والتعبير والمعنى.. على العزيز المثقف الرسولي إذن أن يراجع الذهنية التي ينطلق منها ويكون أكثر تبصرا، وأن يفكر في طريقة أخرى أكثر جدوى وأقل ظلامية مما تعبر عنه هذه القسمة (الهم والنحن).
بقلم : ضيف فهد

ضيف فهد