كتاب وأراء

«وجيهم مصبوبة بمرق»

اعتاد المراهقون في وطني السعودية، مناداة أي عامل آسيوي بـ «محمد»، هذا الأمر وصل إليهم بالفطرة، شاهدوا آباءهم يفعلون ذلك، فتناقلوا مثل هذا الفكر والتصرف، «محمد جيب واحد فلافل، واثنين كبدة»، «محمد بسرعة عبي بنزين فُل»، والحياة تسير ببساطة وهدوء، ولا أريد أن أتحدث عن التصرفات السيئة التي يقوم بها مثل هؤلاء المراهقين لمحمدي آسيا، والتي وصلت أحياناً لدرجة القتل، كما حدث مع العامل المسلم ناصر في «الخرج»، وهي إحدى مدن المملكة، نتيجة لتأخر ناصر العامل في المطعم عن تسليم الطلبات بالسرعة التي أرادها الشاب الذي سلم نفسه للسلطات الأمنية بعد الحادثة، ذهبت حياة ناصر في مهب الريح، وانتشرت صوره اللطيفة في مختلف قنوات التواصل الاجتماعي، وحصد تعاطفا كبيرا وعميقا، فمن منا لم يتأثر بمشاهدة صور ناصر الرجل الطيب وهو يقيم الصلاة في المسجد، أو وهو يبتهج بلباس العيد، ولم ينس رواد التواصل الاجتماعي كيف التقط أحدهم صورة لناصر وأساريره تفرج ويداه تلتقطان حبة التمر في شهر رمضان، رحم الله ناصر وجميع من ترك لنا هذه الأرض لنكمل عمارها من بعدهم.
نموذج محمد غير موجود في أوروبا، وهنا لم تكن معضلة بالنسبة لبعض مراهقينا من الأسرة، فكان المراهقون الصغار الذين يجدون أن «الشيلات» هي أهم موسيقى ظهرت في زمانهم، أن مفردة «هي.. أنت» هي تعبير آخر، ووسيلة أخرى، لكي يأتي الجرسون بأخذ طلباتهم، هذا النظام لا يتواءم مع العاملين في المقاهي والمطاعم في أوروبا، حتى وإن كان البعض منهم لا يفهم اللغة الإنجليزية أو العربية، حيث يتوقف الكثيرون أمام مراهقي الأسرة ليقولوا لهم «أين كلمة من فضلك من جملتك؟»، فيما يحمل بعض الجراسين ميزاناً لتحديد اللهجة، هل كان جاء الطلب بصوت هامس أم بصوت يحمل نغمة متعالية أو ساخرة؟
أعترف أننا كأسرة لعدد من المراهقين، قد أرهقنا ونحن نملي الطريقة التي يتوجب على أبنائنا معاملة الجراسين أو موظفي المقهى والمطعم بطريقة تحمل الكثير من التهذيب، وأن هناك فارقاً كبيراً بين مثل هذا التعامل في وطنك وبين أن يكون خارج نطاق الخليج، الأسرة لا تقصر في أداء دورها في تربيتها لأبنائها وبناتها، ولكن أيضاً الشارع والرفقة تضيف إمدادات أخلاقية لهذا الجيل، الذي لا يجد أهمية لقول كلمة شكراً أو من فضلك رجاءً، فالبعض فعلياً يشعر بأن العامل هو جزء حقيقي منه، بينما البعض يظن أنه غير مجبر للتبسم في وجه العامل أو التهذيب معه، لأن ما يقوم به هو جزء من وظيفته.
هذا السلوك لا ينبع فقط من مراهقينا، وإنما أتذكر جيداً حينما سافرت من برشلونة إلى جنيف، رافقنا في الطائرة عدد كبير من المراهقين والمراهقات الإسبان، لم نكد نستطيع أن نتحدث إلى بعضنا البعض، من الفوضى والصراخ التي تسبب بها هؤلاء لنا كمسافرين، لقد شاركت مع بعض المسافرين في رفع أصواتنا عليهم لكي يهدؤوا، وقد استكانوا بعد توحد أصواتنا ضد فوضاهم، الفارق بين مراهقينا ومراهقيهم، أن مراهقينا لديهم إحساس وشوية كرامة، أما مراهقوهم فيمكن أن نقول «وجيهم مصبوبة بمرق»، أي لا يوجد أدنى إحساس بالحرج!

بقلم : سارة مطر

سارة مطر