كتاب وأراء

الأحواز .. قضية العرب المنسية

كانوا يدرسوننا قديما في مادة الجغرافيا معلومات مستفيضة عن كل دولة عربية مستقلة على حدة. كما كانوا يذكروننا دائما أن هناك اراضي عربية سليبة سوف تتحرر يوما ما. ولئن كانت الاراضي الفلسطينية تأتي دوما في المقدمة، فإن أراضي العرب السليبة في عربستان ولواء الاسكندرونة وجيب سبتة ومليلة كانت تحظى بالاهتمام أيضا. اليوم أكاد أشك أن مناهجنا المدرسية تعلم طلبتنا شيئا من ذلك، ربما باستثناء القضية الفلسطينية.
اللافت هو أن قضية عربستان أو الأحواز ظلت طوال هذه السنوات، حاضرة على الأقل، في وجدان شعبها العربي المتطلع لاستعادة استقلاله، بدليل أنه لا تلوح أمامه فرصة إلا ويستغلها للإعراب عن ذلك. ولعل خير شاهد هو المظاهرات الشعبية التي اجتاحت مؤخرا مدن الاقليم المغتصب، تنديدا بما تقوم به طهران من مجازر في سوريا والعراق، وتأييدا لجهود التحالف العربي بقيادة السعودية في اليمن. حيث نقلت وسائل الاعلام المرئية مشاهد للجماهير الأحوازية وهي ترتدي الزي العربي وتهتف بالعربية هتافات منددة بالسياسات الإيرانية الطائفية، علما بأن نسبة معتبرة من شعب الأحواز هم من معتنقي المذهب الشيعي، خلافا لما يردده بعض الجهلة من أن كل الاحوازيين هم من العرب السنة.
وللذين يجهلون قضية الأحواز العربية، أو لا يكلفون أنفسهم عناء البحث عن تاريخها نستعرض فيما يلي شيئا من هذا التاريخ دون الدخول في التفاصيل:
• هاجرت قبيلة بني كعب إلى الإقليم من وسط العراق في منتصف القرن 17 واستوطن قسم منهم الجزء الجنوبي الغربي من نهر القارون، فيما انتشر الباقون على ضفتي شط العرب.
• بنى الكعبيون مدينة القبان كعاصمة لإماراتهم، وكان أول أمرائهم هو الشيخ سلمان بن سلطان من فخذ البوناصر. وقد استفاد الأخير من الفوضى التي كانت سائدة في إيران في أعقاب وفاة حاكمها نادر شاه فوطد دعائم إمارته ووسع نفوذها بتغلبه على قبائل الافشار الفارسية واحتلاله لعاصمتهم «الدورق» التي غير اسمها إلى «الفلاحية» واتخذها عاصمة ثانية له. كما استطاع بفضل دهائه وقوته البحرية من كسر شوكة كل القوى المتصارعة على النفوذ في المنطقة آنذاك من فرس وأتراك وإنجليز.
• بعد وفاة سلمان البوناصر دبت الخلافات بين فخذي قبيلة بني كعب، حيث ظل فخذ البوناصر في الفلاحية بقيادة خلفاء الشيخ سلمان، وراح نفوذهم يتقلص تدريجيا، بينما تمركز الفخذ الآخر (البوكاسب) حول مصب نهر القارون بقيادة مرادو بن علي البوكاسب الذي يُعتبر المؤسس الأول للإمارة العربية الكعبية. وحينما توفي الأخير خلفه ابنه يوسف الذي أسس المحمرة (أطلق عليها الفرس اسم خرمشهر) في 1812 واتخذها عاصمة له. وفي عهده ازدهرت المحمرة اقتصاديا وتجاريا وصارت من الموانئ الخليجية الهامة.
• توفي الشيخ يوسف سنة 1829 فخلفه أخوه الشيخ جابر الذي دام حكمه حتى 1881، والذي عــُرف عنه جرأته، وقدرته على فرض هيبته واحترامه في الداخل والخارج.
• من بعد وفاة جابر بن مرادو، تولى حكم الامارة ابنه مزعل الذي ارتبط عهده بتطورات هامة أهمها سعي بريطانيا للتغلغل في الامارة أملا في السيطرة على مواردها النفطية والمعدنية، بدليل أنها أسست قنصلية لها في المحمرة سنة 1890. ومما يـُذكر للشيخ مزعل أنه استطاع، رغم كل القلاقل آنذاك، أنْ يوطد سلطته الداخلية وأنْ يؤسس علاقات متينة مع آل صباح شيوخ الكويت وآل سعدون شيوخ عرب المنتفق. غير أن علاقاته مع الإنجليز لم تكن ودية، فتخلصوا منه غيلة سنة 1897، ليتولى الإمارة من بعده أخوه الشيخ خزعل.
• يـُعتبر الشيخ خزعل، من أهم حكام الإمارة، وأكثرهم ذكرا في مراسلات المعتمدين البريطانيين الذين عملوا في إيران والعراق وإمارات الخليج. ذلك أن عهده كان عهد التحولات الكبرى في المنطقة، ففيه اكتشف النفط في عبادان وغيرها، وقامت الحرب العالمية الأولى، وتبدلت خرائط وحدود العديد من كيانات المنطقة، وقامت الدولة البهلوية على أنقاض الدولة القاجارية في إيران. لكنه استطاع وسط كل هذه الاحداث الجسام أنْ يحتفظ باستقلاليته، وذلك باعتراف الشاه رضا بهلوي في مذكراته. كما استطاع بناء علاقات ودية مع حكام الكويت والعراق ونجد وغيرها، فصار شخصية مرموقة، ناهيك عن أن الانجليز سعوا إلى كسب وده حينما قرروا بناء مصاف للنفط في عبادان، ففاوضوه من خلال حاكمهم السياسي العام في العراق «بيرسي كوكس». والمعروف أن الشيخ خزعل طرح اسمه لتولي عرش العراق، لكنه تراجع عندما رأى أن الأمور تتجه لصالح الشريف فيصل بن الحسين.

بقلم : د. عبدالله المدني

د. عبدالله المدني