كتاب وأراء

الآباء وإجازة الأبناء

الإجازة الصيفية لطلاب المدارس متنفّس أخضر؛ للتخلص من قيودٍ عدة، كتلكَ المرتبطة بساعات الاستيقاظ والنوم، بجانب الدروس والواجبات والامتحانات، علاوةً على اللباس والانضباط وفق الفقه المدرسي.
ورغم مرور الآباء بمراحل الدراسة المختلفة، فإن مشاعرهم ناحية المدرسة وما تحمله من «هموم» وأفكار قد طواها النسيان، وهذبتها الحياة؛ بسبب تراكمِ مهمّات أكبر، أو بسبب المشاغل المتوالية، التي تجعل الإنسان ينسى اسمَه أحياناً؛ فأصبحوا يتثاقلون شعور أبنائهم بالتعب من الدراسة والمدرسة، وينزعجون من إصرارهم على الراحة والبحث عن المتعة في شيء جديد.
إلا أن كثيراً من الآباء المجتهدين سرعان ما يبحثون عن مراكز صيفية، تأخذ أبناءهم بعيدًا، من أجل أن يتعلّموا ويستفيدوا، مما يجعل كثيرًا من الأبناء ناقمين غاضبين، متسائلين: لماذا نُعطى إجازة إذا كُنا سننتظم في برنامج مشابه لقوانين وأنظمة المدرسة؟! لكن يقف الآباء مذهولين: ندفع ونجتهد من أجل رقيّكم ولكنكم جاحدين!
وإذا نظرنا للأمر من وجهة نظر متحيزة للأبناء، تَحضُر التساؤلات: أليست الإجازة، فرصةً ليعزز الآباء صداقتهم مع أبنائهم؟ بالتفرغ لهم، وشحنهم بجوٍ من الحبِ والرعايةِ والاهتمام! أليست الإجازة مساحة مثالية؛ لتنمية المشاعر وتعميق فرص التقارب بين الآباء وأبنائهم؟ أليست الإجازة الصيفية فرصةً لحقن عقول الأبناء بالمبادئ والأفكار الخلاقة والإبداعية من خلال الجلسات الحوارية والنقاشية التي تنميهم ثقافيًّا وفكريًّا، علاوة على تعليمهم المهارات التي تَلْزَمُهُم؟! أليست الإجازة للآباء؛ لتغذية وتشذيب شخصية أبنائهم وترقيتها من الشوائب التي قد تكون لاَزَمَتْهُم من احتكاكهم بصحبة المدرسة؟! فضلاً عن تقوية نقاط القوة حتى تتلاشى نقاط الضعف التي تزعزعهم.
بل كم من الأجر سيكسب هؤلاء الآباء وراء التفرّغ لتعليم أبنائهم وتدريسهم، خاصة في ما يتعلق بالعلوم الشرعية الأخرى، فهم أولى بالمعروف بحكم قرابتهم، وهي مساهمة رائعة ليستشعر الأبناء مثالية آبائهم وحرصهم عليهم!
وإذا افترضنا إمكانية بناء جسور متينة من التواصل والألفة والتفاهم مع الأبناء خلال هذه الإجازة، دون تكاليف تذكر في كثيرٍ من الأحيان، فهل من العقلانية المسارعة في تسجيلهم ضمن البرامج والأنشطة الصيفية– رغم فائدتها هي الأخرى-؟ أو لنعيد السؤال بصيغة أخرى: لماذا لا يرحب الآباء بأن يكونوا الملهمين والمعلمين والواعظين لأبنائهم؟ ويبحثون عن تهرب دبلوماسي للزج بأبنائهم في معاقل المراكز الصيفية المختلفة؛ ليصبحوا قادرين على التملص من مسؤوليتهم دون محاسبة؟
ولنحسن الظن فلعل تصرفهم جاءَ تلبيةً لشعورهم بالعجز عن خدمة أبنائهم أو اعترافاً ضمنياً بعدم قدرتهم على توفير ما يلزم من رعاية وعناية لهم؟
ولنذهب بعيدًا بالتوقعات السطحية ظانين أنها وسيلة الوالدين للتعبير عن بذخهما وقدرتهما على تسجيل أبنائهما في كل البرامج المطروحة مقارنة بغيرهم، فليسألوا أبناءهما عن مدى الامتنان الذي يشعرون به تجاههما!
أم هو خوف بعض الأمهات من عدم القدرة على السيطرة على أبنائهن بسبب جهلهن في إدارة الصف البيتي. في حين أنّهن يشعرن بالنشوة حين ينتقدن ضعف المدرسات في إدارة وتعليم صفٍ مدرسي يملأ أركانه أربعون طالبًا!
المقال كصاحبه، يحاول أن يستقرئ موقف الأبناء ونظرتهم للإجازة الصيفية، البحث عن منفذ للخروج من التقليد السائد في البحث عن مراكز ومدارس تحتويهم دون الالتفات إلى حاجاتهم في المقام الأول ثم دون مشاورتهم في كثيرٍ من الأحيان.
فهل يستطيع أولياء الأمور معالجة النظر في «الإجازة الصيفية» بالخروج عن التقليد السائد، بأن يدفع الآباء لأنفسهم أموالاً مقابل الجلوس مع أبنائهم بالاستماع إلى احتياجاتهم ومشاركتهم تعليمهم وترفيههم بعيدًا عن الجو النظامي المعتاد في أحضان المراكز الأخرى؟ استلموا أبناءكم كل صيف حبًا وكرامة لتجديد الانتماء والمودة والألفة.

بقلم : زهرة بنت سعيد القايدي

زهرة بنت سعيد القايدي