كتاب وأراء

كم جميل لو بقينا أصدقاء

العنوان الذي قد يُذكر البعض منكم بما غنته الفنانة ماجدة الرومي، قد يأتي على جرح البعض الآخر ممن آلمه مفهوم الصداقة الذي عبث به شخص ما في حياته، فالصداقة شيء كبير ومعنى قوي لا يعرفها ولا يُحسن تقديرها إلاّ القليل من خلال الالتفات حول الصاحب ومعاشرته على الحلوة والمُرة - كما نقول- وتعني الوقوف جنباً إلى جنب مع الصديق وهو في أسوأ ظروفه، سواء معنوياً أو مادياً، إلاّ أن ما نشاهده في الوقت الحالي من علاقات شوّهت معنى الصداقة الحقيقي فهناك من يستغل ارتباطه بشخص معين لمصلحة شخصية وما أن تنتهي ينتهي كل شيء، فلا سلام ولا اتصال ولا حتى تهنئة بأي مناسبة، وهو ما يعكس سوء نوايا بعض الأفراد وتمثيلهم لأدوار المصلحة على أكمل وجه!
وان كان المنطق يقول ان الإنسان لا يستطيع، مهما بلغ عمره أو وعيه، الاستغناء عن الآخرين، سواء من أجل تبادل المصالح المشتركة أو من أجل الحب المطلق في الله، ومن أسمى هذه العلاقات - الصداقة- التي يُبنى سمو تعاملها عبر الأيام والسنوات بالاحترام والوفاء، فللصداقة شروط أهمها التوافق الفكري والنفسي والاحترام المتبادل وكذلك تشابه الميول والاتجاهات، وربما كان للأخلاق الحسنة - مفعول السحر- في الحفاظ على الصداقة الحقيقية البعيدة عن المصالح الشخصية التي تسمو عن السلوكيات الخاطئة مثل الغيبة والانشغال بعيوب وخصوصيات الآخرين.
ولأنه – كم جميل لو بقينا أصدقاء- فإنه ينبعث في نفسك روح الإعجاب بمصطلح الصداقة وتتمنى أن يكون هناك صديق تجعل منه البئر الذي تستطيع ان تبوح له بأسرارك وأن يشاركك أفراحك وأتراحك، فالصداقة كلمة تحمل في ثناياها العديد من المفردات التي تتعطر بالإخلاص والانتماء والاحترام والثقة، ولكن القاموس في زمننا جعل من هذه المفردة هامشية ليس لأنها غير جديرة بالاهتمام، بل لأن من يحملها لم يكن على قدر المسؤولية في الأخذ بمدلولاتها الرائعة، إلا أنه في زمننا نسمع جملا عدة تجعلنا نستعيد هذه الكلمة التي باتت نادرة المعنى والتي أصبحت تبحث عن هويتها الحقيقية في مدلولها القيّم في هذا الزمن الذي قلّت فية «الصداقة» حيث نسمع «لا يوجد صداقة» و«صارت الدنيا كلها مصالح» فمفهوم الصداقة أنها علاقة اجتماعية بين شخصين أو أكثر على أساس المودة والتعاون بينهم بات المفهوم الأقل انتشارا وتطبيقا على غالبية العلاقات.
والسؤال الاهم: هل بإمكان الشخص أن - يغربل- الأشخاص الذين يعرفهم من خلال المواقف التي تجعله في قائمة الصداقة أم في قائمة الزمالة، أم أننا سنتعثر في الأقنعة التي يختفي وراءها الأشخاص الذين يوهمون الآخرين بمشاعرهم المزيفة، فالصداقة ما هي إلا زهرة جميلة تستحق ان نعتني بها اكثر من أي شيء آخر لانها كلما اعتنينا بها اكثر اعطتنا جمالا ورائحة تصل للجميع حتى تعلمهم كيف يصبحون أصدقاء.
ولعل من أسباب تغير مفهوم الصداقة انتشار فكرة الذات الأنانية حيث يجد الإنسان نفسه ومصالحه اهم من الآخرين، ويتجنبهم ولا ينشئ معهم علاقات لانه أساسا ممن يستغلون الفرص أو يطعنون بالظهر إلى جانب الصراعات التربوية النفسية والبيئية حيث إنه من الممكن أن ينشئ الإنسان صداقة مع شخص ولكنها ليست جيدة ولان المجتمع له الدور الأكبر في تغيير مفهوم الصداقة بما يحويه من وسائل إعلام مختلفة ومن عوامل داخلية وخارجية تؤثر على الإنسان في عملية اختيار الصديق من ناحية وفي تحديد مفهوم الصداقة من ناحية أخرى فإن للأسرة دورها في تغيير مفهوم الصداقة لدى الشباب حيث إن الأسرة هي المكان الأول الذي يشاهد فيه الإنسان التفاعل بين الأطراف المختلفة ويمارس هذا التفاعل مع أفراد أسرته.. وهو بلا شك مدرك لطبيعة علاقته بالآخرين وحجم هذه العلاقة وطبيعتها.. فبقدر ما لهذه الأسرة من صداقات بقدر ما لهذا الشخص من موقف إيجابي من الصداقة وإن التفكك الأسري يفقد الشخص التوجيهات والإرشادات التربوية ذات الصلة بهذا الأمر، حيث لا يتم اختيار الصديق وفق أسس تربوية ما يضع هذا الشخص في بعض الأحيان في مواقف انحرافية نتيجة اختيار أصدقاء السوء لغياب هذه الرقابة الأسرية، ايضا لابد ان لا نتجاهل ان لكل مجتمع تعريفًا خاصًا بالصداقة وسمات معينة يتم التعامل من خلالها مع الصديق، وإن الاختلاف ليس فقط بين المجتمعات في تحديد معنى الصداقة ومفهومها وعناصرها، بل هناك الزمن أيضًا، فاختلاف الزمن في المجتمع الواحد يؤدّي إلى اختلاف مفهوم الصداقة التي كانت تختلف في الخمسينيات عنها في الستينيات مثلاً، واختلفت عن الصداقة في الوقت الحالي سواء في حجم التوقعات من الصديق أو في طبيعة الصداقة ذاتها.
ولأن هذا الامر يمر تكرارا، ويتكرر مرارا في حياتنا أو في حياة الكثيرين ممن نعرفهم، فعلينا ان نعي ان جميع الصّداقات يجب ان تُبنى على مبادئ معروفة كالتّعاون والتّعايش وان اختلفت، لذا بقي ان اقول ان الشيء الجيد في الصداقة معرفة من الذي يمكن أن تستودعه سرك ويقوم بنصحك، وإذا أخطأت في الاختيار فخذ العبرة من الامر وممن أهداك عبرة قد تكون مؤلمة لكنها مفيدة للعمر الباقي، ودمتم بجوار القلوب الصادقة لاصدقاء حقيقيين.

بقلم : ابتسام الحبيل

ابتسام الحبيل