كتاب وأراء

القـدس.. والاستعجال الإسرائيلي لحسم الصراع

تبدو الحكومة الإسرائيلية برئاسة بنيامين نتانياهو في سباق مع الزمن في سعيها لاستكمال تنفيذ مخططها الاستيطاني التهويدي لمدينة القدس وحسم الصراع على المدينة نهائياً لمصلحة المشروع الصهيوني بجعلها عاصمة الدولة اليهودية العنصرية.
وبالتالي فرض ذلك أمراً واقعاً في أي عملية تفاوض، تسمح لإسرائيل بإملاء شروطها ومنظورها لحل الصراع على الأسس التي تحقق أحلامها في منع ولادة دولة فلسطينية مستقلة تكون القدس عاصمة لها، وجعل الصيغة الوحيدة المطروحة هي إعطاء الفلسطينيين في مناطق توجداهم في الضفة الغربية وقطاع غزة حكماً ذاتياً تحت السيادة الإسرائيلية، أو إذا أرادوا إقامة دولة لهم فلتكن في قطاع غزة مع إضافة أجزاء من صحراء شبه جزيرة سيناء المصرية المحاذية للقطاع في مقابل تعويض مصر بإعطائها مساحة مساوية من الأرض الفلسطينية المحتلة عام 1948.
أما الصيغة الثالثة التي تعمل الحكومة الإسرائيلية على تحقيقها فهي محاولة جعل الأردن هو الوطن البديل للفلسطينيين.
أما العالم فإنه يتصارع اليوم في إطار حرب ساخنة وباردة أحيانا حول طبيعة النظام العالمي الجديد الذي سيولد على أنقاض الهيمنة الأحادية الأميركية، بعد أن فشلت أميركا في إقصاء روسيا والصين وغيرهما من الدول عن حلبة المنافسة.
وهذه الحرب الساخنة الباردة تجعل الدول المؤثرة في القرار الدولي منشغلة هي الأخرى عما يجرى في فلسطين المحتلة من ارتكابات وجرائم إرهابية تنفذها إسرائيل بحق الشعب الفلسطيني وأرضه ومقدساته.
غير أنه على الرغم من كل ذلك فإن الحكومة الإسرائيلية تواجه في سعيها لتنفيذ مخططها انتفاضة ومقاومة شعبية فلسطينية لا تتوقف إن كان عبر عمليات الدهس والطعن للجنود والمستوطنين، أو عبر العمليات الفدائية الجريئة في القدس وتل أبيب، أو عبر المواجهات الشعبية مع جنود الاحتلال، أو عبر إضراب الأسرى عن الطعام في سجون الاحتلال.
وفي المقابل تحاول سلطات الاحتلال الصهيونية وأجهزتها العسكرية والأمنية إخماد هذه الانتفاضة والمقاومة لاسيما في القدس المحتلة والخليل وبعض المناطق الأخرى من الضفة الغربية المحاذية للجدار العنصري العازل، وتقوم بتكثيف الإجراءات القمعية وفرض الحصار وتقييد حركة الفلسطينيين لاسيما الشباب منهم، وفي الوقت نفسه تزيد من عمليات الاستيطان والتهويد في القدس وشن حملات الاعتقال وتقوم باقتحام السجون والاعتداء على الأسرى وتدفع بالمستوطنين إلى مواصلة عمليات اقتحام المسجد الأقصى، والاعتداء على المصلين فيه في سياق السعي إلى تكريس أمر واقع صهيوني فيه على غرار ما حصل سابقاً في الحرم الإبراهيمي في الخليل.
يؤشر كل ذلك إلى مدى احتدام الصراع واشتداده في القدس وعليها فهو صراع مصيري وحاسم بالنسبة للشعب الفلسطيني الذي يتمسك بعروبة القدس بما هي عنوان لعروبة فلسطين، وما تحتويه من مقدسات إسلامية ومسيحية، وإسرائيل تعتبر أن تحقيق حلم المشروع الصهيوني مرتبط في السيطرة على كامل القدس وتهويد المسجد الأقصى وإقامة الهيكل المزعوم مكانه.
لهذا كله تشكل القدس حلقة أساسية ومركزية في الحرب الصهيونية المستعرة ضد الشعب الفلسطيني، لا سيما في الأحياء والقرى العربية المقدسية لاخماد الانتفاضة وإخضاع أبنائها.
من هنا فإن هذا الصراع المحتدم اليوم في القدس، يستدعي أولاً من كل القوى والتيارات والفعاليات الوطنية الفلسطينية، وفي مقدمها فصائل المقاومة، توحيد قواها وطاقاتها لدعم نضال المقدسيين بكل السبل المتاحة لديهم لإسناد نضالهم وانتفاضتهم وتمكينهم من الصمود ومواجهة الإجراءات التعسفية للاحتلال، وبالتالي البقاء في القدس وحماية عروبتها، وكذلك تحويل الانتفاضة إلى انتفاضة شاملة تشل قدرة الاحتلال على تنفيذ مخططاته الاستيطانية التهويدية وتدخله في حالة من النزف والارتباك من ناحية، وتعيد القضية الفلسطينية إلى صدارة الأحداث في المنطقة والعالم، وتجهض مخططات طمس القضية لمصلحة العدو الصهيوني من ناحية ثانية.
كما أن الصراع في القدس وعليها يستدعي ثانياً من كل الأحزاب والقوى والحركات الوطنية والقومية العربية، على الرغم من الظروف العربية الراهنة، أن تهب لنصرة ودعم انتفاضة ومقاومة الشعب الفلسطيني لمنع العدو الصهيوني من تنفيذ مخططه وعدم ترك الشعب الفلسطيني يواجه وحيداً هذا المخطط، وبالتالي لحماية عروبة فلسطين ومقدساتها ومنع المشروع الصهيوني من تحقيق أحلامه ليس فقط في حسم سيطرته على كل فلسطين، بل ومنعه من الهيمنة والسيطرة على المنطقة وإلغاء عروبتها عبر إقامة ما يسمى الشرق الأوسط الجديد الذي ينسجم مع أهداف المشروع الصهيوني وطموحات ومخططات القادة الصهاينة.

بقلم : حسين عطوي

حسين عطوي