كتاب وأراء

ما سر محنة الثقافة العربية؟

للمفكر الكبير الدكتور فؤاد زكريا دراسات عن واقع الثقافة العربية المعاصرة تناول فيها أزمة الثقافة العربية وأسبابها التي تتعلق بطرق التفكير التقليدية، وتدني وضع المثقف في بعض المجتمعات العربية وانتشار ثقافة لا تحترم العقل ولا تتسامح مع الاختلاف في الرأي وعدم وجود أرضية مشتركة بين المتحاورين حول مشاكل الواقع وهموم العقل العربي في وقتنا الحاضر.
وعلى الرغم من أن كلمة الثقافة من أكثر الكلمات تداولا فإنها في نفس الوقت من أشد الكلمات غموضا، والجدل حولها يدور بين أشخاص غير متفقين على مفهوم أو معنى واحد للثقافة ولذلك لا يصلون إلى اتفاق.
والثقافة كما يعرفها علماء الاجتماع تشمل المعرفة والعقيدة والفن والأخلاق والقيم والعادات وفي قاموس أكسفورد أن الثقافة هي «الاتجاهات والقيم السائدة في مجتمع ما، كما تعبر عنها اللغة والأساطير وأساليب الحياة ومؤسسات التعليم والمؤسسات الدينية والاجتماعية». أما الثقافة بالمعنى الإنساني فهي صقل الذهن والذوق والسلوك وتنمية شخصية الإنسان وتهذيبه، والمثل الأعلى للثقافة بهذا المعنى هو الارتفاع بالتكوين العقلي والروحي والأخلاقي للإنسان وبطريقته في التفكير وفي فهمه للعالم وللإنسان. وكلما وصلت الثقافة إلى درجة الاندماج في شخصية الإنسان تكون قد حققت هدفها، لأن الثقافة هي التي تميز الجماعة البشرية لأن الإنسان وحده هو الذي يعتنق الأفكار والقيم والمعرفة.
وأزمة الثقافة ترجع في أحد جوانبها إلى أن المثقف لا يجد التقدير المادي والأدبي من ناحية ولا يجد الفرص الكافية لتنمية قدراته ومواهبه في بعض المجتمعات التي لا توجد فيها مثل تلك الفرص. كما تتجلى الأزمة في عجز بعض المجتمعات عن التفاعل مع الفكر لأن الفكر بطبيعته يرفض الجمود والثبات ويتطلع دائماً إلى التجدد وينشغل بالتحرك نحو المستقبل، وهذا ما يجعلنا نرى المفكرين والأدباء والفنانين في عصر النهضة الأوروبية يتطلعون إلى عصر جديد ويجدون مقاومة من أنصار الجمود وأصحاب نظرية (ليس في الإمكان أبدع مما كان) ولكننا نرى مجتمعات في العصر الحديث يتحقق فيها العكس فحركة المجتمع فيها أسرع من ملاحقة الفكر والثقافة لها، وفي هذه المجتمعات نجد الأزمة في عجز الفكر عن ملاحقة التطور السريع في حياة المجتمع.
وفي مجتمعات أخرى تكون أزمة الثقافة بسبب وجود قيادات للمؤسسات الثقافية ليسوا على المستوى الذي يسمح بازدهار الفكر والإبداع وهذا ما نجده في بعض البلاد العربية وليس في كلها.
والمشكلة الكبرى التي تواجهها الثقافة هي تحديد موقف الثقافة إزاء التقدم العلمي والتكنولوجي وهذا ما حدث منذ ظهور رواد الفكر العربي الحديث من أمثال جمال الدين الأفغاني ومحمد عبده وطه حسين حتى عابد الجابري ومحمد الرميحي وأمين معلوف وغيرهم، لأن طبيعة المثقف تجعله متطلعا إلى التقدم وإلى المستقبل وقد أثبت التاريخ أن أعظم المثقفين هم الذين سبقوا مجتمعاتهم بأفكارهم وإبداعهم ومهدوا الطريق لتطورات مهمة في مجتمعاتهم. والمسألة تتعلق بنوعية التربية.. هل التربية تهدف إلى تكوين عقل منغلق يكرر ما يحفظه ولا يفكر في شيء جديد ولا يتطلع إلى المستقبل ويعمل من أجله، أم أن التربية هدفها بناء شخصية إيجابية تتحمل المسؤولية الاجتماعية وتفكر في تطوير الفكر وأساليب الحياة في مجتمعاتها، ولا تستسلم للواقع ولكن تسعى إلى أن يكون الغد أفضل من اليوم ومن الأمس.. وهل التربية تضع الأساس للثقافة الجادة الرفيعة أم تعمل على تشجيع الثقافة الهابطة والفكر السطحي واجترار الماضي دون تطلع إلى المستقبل؟!
والخلاصة أن أوضاع الثقافة العربية تقتضي الاهتمام بنوع العقل الذي يراد تكوينه للإنسان العربي هل هو عقل جامد يدور في حلقة مفرغة ولا يسير في اتجاه التطور والتقدم.. أم هو عقل قادر على تقديم حلول لمشكلات المجتمع وهدفه تحسين نوعية الحياة والتعامل مع الحضارات بإيجابية ومن موقع الندية وليس التبعية والتفاعل مع الثقافات والحضارات العالمية دون خوف أو تردد لأن جذور الثقافة العربية ممتدة وعميقة منذ عشرات القرون وغير قابلة للهزيمة أو الذوبان في تعاملها مع الثقافات الأخرى؟

بقلم : رجب البنا

رجب البنا