كتاب وأراء

«خور بيغي»

حينما تتزاحم الأفكار في مخيلتي، ألجأ إلى الطبيعة الأم، ففيها السلوى للمبتلين بتأمل هموم الحياة والانشغال باهتماماتها..
هنا في مقاطعة نوفاسكوشيا الكندية المطلة على الأطلسي، حيث أقيم، توجد «بيغيز كوف» وهي قريةٌ تعتبر معلماً سياحيّاً عالميّاً، وتبعد عن العاصمة الإقليمية «هاليفاكس» مسافة خمسين ميلاً، تقطعها عبر طريقٍ متعرجةٍ، ويقطنها ستةٌ وأربعون شخصاً، معظمهم من المشتغلين بالسياحة، إضافةً إلى مهنتهم في صيد الأسماك وجراد البحر LOBSTER الذي يتوافر في سواحل المقاطعات الكندية المطلة على الأطلسي والمعروفة بِـ الميريتايم.. وتعتبر بيغيز كوف قرية بالغة الخصوصية والجمال، فيها منارةٌ لهداية السفن شُيِّدت العام 1868، وتوصف بأنها واحدةٌ من أهم المنارات المعترف بها عالمياً.
الوصول إلى بيغيز كوف يأخذك عبر طريقٍ ساحليةٍ، مياه المحيط تحرسك عن اليمين، وعلى الشمال تستلقي قرى صيادي الأسماك، واللوبستر الذين تجد بيوتهم النظيفة الأنيقة خلف مراكبهم، التي تبدو، وكأنها وثائق أو سيرة ذاتية للسكان، وتقطع هذا المشهد المتميز بين مجموعةٍ من بيوتٍ، وأخرى مطاعم قروية تقدم الأسماك واللوبستر، وحساء القواقع البحرية الذي يتم إعداده بالأسلوب والطريقة اللّذيْن درج عليهما آباؤهم وأجدادهم، فتتذوق حساءً لا يقدم لك في أشهر مطاعم المدينة، خلاف هذه البيوت والمطاعم القروية، يطلُّ عليك بين هذا وتلك نتوءٌ بارزٌ في مياه المحيط أرضه معشوْشبةٌ خضراءُ، لا تخلو من بعض الأشجار، وحين تركن بسيارتك قرب أيٍّ من هذه النتوءات، ترى من مناظر الطبيعة البكر الممتزجة بصنعة الإنسان ما لم تكن تتخيله من قبل.
وتصل إلى بيغيز كوف أي خور بيغي، وقد سميت على اسم السيدة مارغريت الملقبة فيما بعد باسم «بيغي» وهي الناجي الوحيد من بين ركاب سفينةٍ جنحت قرابة ذلك الشاطئ العام 1800، وعُرف بيتها هناك باسم «بيغيز كوف PEGGY›S COVE أي خور بيغي.
الصخور المطلة على المحيط في خور بيغي، تستحثك على تسلقها إن كنت شاباً عفياً، وتبقيك جالساً على أحد المقاعد الخشبية المتناثرة متأملاً عظمة الخالق في بديع صنعته، إن كنت مثلي في خريف العمر.

بقلم : حسن شكري فلفل

حسن شكري فلفل