كتاب وأراء

القدس في خطر

اتخذت الاعتداءات الصهيونية على المسجد الأقصى والحرم القدسي الشريف منحى خطيرا في الأسابيع الأخيرة. لم يعد الأمر مجرد انتهاكات فردية لمستوطنين متطرفين، إنما مخطط ممنهج ومدعوم من الحكومة، لتكريس أمر واقع جديد في القدس، وصولا لفرض السيطرة الكاملة على المقدسات الإسلامية والمسيحية.
والأدلة على ذلك لا تحتاج لبحث معمق أو رصد، لأن مخططات التهويد باتت علنية ورسمية من طرف الحكومة الإسرائيلية.
قبل أيام قليلة قام المستوطنون، برعاية وحماية من قوات الاحتلال، باقتحام باحات الأقصى، وتنفيذ مسيرات جماعية استفزازية، رددوا خلالها شعارات معادية تدعو لقتل العرب والفلسطينيين، وهدم المسجد الأقصى، وإقامة الهيكل المزعوم.
وفي خطوة تؤشر على دعم حكومة التطرف في إسرائيل لهؤلاء الإرهابيين، نشرت قوات الشرطة وحدات مدججة بالسلاح في ساحات الحرم القدسي، قبيل دخول المستوطنين.ومنحتهم الغطاء للاعتداء بالضرب على المصلين، واتخذت سلسلة من الإجراءات المشددة على مداخل الحرم القدسي، ومنعت المئات من دخوله.
هذه ليست المرة الأولى بالطبع التي تنتهك فيها قطعان المستوطنين الأماكن المقدسة في الميدنة المحتلة، لكنها الخطر بالنظر إلى الدعم السياسي الذي تلقاه من قبيل حكومة إسرائيلية يهيمن عليها المتطرفون من شتى الألوان.ففي القوت الذي كان فيه المستوطنون يرتكبون عدوانهم في المسجد الأقصى، كان أعضاء الكنيست الإسرائيلي يتبارون طوال الأشهر الماضية في سن القوانين العنصرية، ضد الفلسطينيين والمقدسيين على وجه التحديد، بهدف تهجيرهم عن أراضيهم، واستكمال مشروع تهويد الضفة الغربية، والقدس المحتلة.
وحسب تقديرات خبراء مطلعين، يتمثل هدف إسرائيل في هذه المرحلة إلى إلغاء أي دور فلسطيني أو عربي في القدس، وإنهاء الوصاية الأردنية على المقدسات الإسلامية والمسيحية في القدس المحتلة، وفرض السيطرة الإسرائيلية الكاملة عليها. والخطوة التالية ستكون استكمال أعمال الحفريات تحت الأقصى، وفبركة الأدلة عن الهيكل المزعوم، ليحل مكان المسجد المبارك، وإلغاء الهوية العربية والإسلامية للمدينة التاريخية.
لا تتوقف مخططات إسرائيل عند حدود القدس المحتلة؛ فقد صعدت في الآونة الأخيرة عمليات توسيع المستوطنات، وضم المزيد من الأراضي الفلسطينية لحدودها، وبناء مستوطنات جديدة. إضافة إلى ذلك، عمدت إلى ترحيل عشرات العائلات من قراهم وبيوتهم، بحجج ومزاعم مختلفة.
إسرائيل تستغل وعلى نحو مثالي، انشغال العرب بمشاكلهم وأزماتهم، وانهماك العالم بخلافات أقطابه. وترى في مثل هذه الأحوال فرصة مواتية للقضاء على ما تبقى من أمل بحل سلمي وعادل للصراع العربي الإسرائيلي، وولادة دولة فلسطينية على التراب الوطني الفلسطيني.
ويقف خلف كل الإجراءات الإسرائيلية في القدس وسواها، فكرة صهيونية خبيثة، عنوانها قتل الأمل عند الفلسطينيين.
لقد نجحت إسرائيل وبكل أسف في تعميم هذه الفكرة على نطاق واسع، والدليل أننا بتنا نسمع من أطراف كثيرة؛ عربية وأجنبية، تقديرات مخيبة ومتشائمة، مفادها أن فكرة حل الدولتين توشك على الموت، ولم يعد للفلسطينيين من أمل بتحقيق حلمهم المشروع.
ردود الفعل العربية الباهتة على خطط إسرائيل الشيطانية هي التي تغري عتاة اليمين المتطرف في التمادي فيها، لابل وتسريع خطوات تهويد المدينة المقدسة ومحو هويتها الأصيلة.فكما في كل مناسبة مماثلة لا تتعدى ردود الفعل بيانات التنديد والاستنكار، والتباكي على أبواب الأمم المتحدة.
رد الفعل العربي تجاه فلسطين لم يرتق لحجم العدوان، وأخشى أن يأتي يوم لا نجد فيه ما نبكي عليه.
بقلم : فهد الخيطان

فهد الخيطان