كتاب وأراء

التعليم وسؤال التغيير: الحالة البريطانية!

عندما تمر المجتمعات الحديثة بلحظات حاسمة من تاريخها أو تعصف بها تغيرات جسيمة يبدأ الحديث ويكاد ينتهي عند دور السياسيين أو النخبة السياسية، لكن مثل هذا الحديث ربما يبحث عن إجابات سريعة ترضي الرأي العام أو توفر لحظة انتقام بين السياسيين، لكنه لا يقدم تفسيراً ولا حتى حداً أدنى من الجهد لتقديم ذلك التفسير.
في بلد له تاريخه المؤثر عبر العالم في التاريخ الحديث تبدو بريطانيا ربما مثالاً للحديث عن دور التعليم في لحظات التغيير أو ربما الأزمة.. بريطانيا التي قرر 52 % من الذين شاركوا في الاستفتاء- حول البقاء من عدمه في الاتحاد الأوروبي- الخروج من الاتحاد الأوروبي وجدت نفسها في لحظة تاريخية هي أقرب للأزمة؛ فلأول مرة منذ أكثر من سبعين عاماً يبدو عدم اليقين هو الحالة التي تسيطر على المشهد السياسي الداخلي البريطاني.. عدم اليقين هذه ترتبط بكل القطاعات الاقتصادي منها والتعليمي والسياسي وقد تدفع إلى تأجيل الخروج لعدم استعداد الوزارات والدوائر الحكومية.
الملفت للانتباه في عملية التصويت هو أن غالبية المصوتين لصالح الخروج كانوا من كبار السن، وغالبية من صوتوا للبقاء من نسبة 48 % كانوا من جيل الشباب.. وهنا جاء السؤال حول نظام التعليم ودوره في وصول بريطانيا إلى هذه الخلاصة للخروج من الاتحاد الأوروبي.. صحيح أن السياسيين البريطانيين والدبلوماسيين يركزون في تصريحاتهم على أن خروجهم من الاتحاد الأوروبي لا يعني أنهم خرجوا من أوروبا، وهو تفسير متعلق ومتأثر بالجغرافيا السياسية وكذلك القيم التي يتشارك فيها البريطانيون مع الأوروبيين، لكن هذا لا يعني لهم أن خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي سيكون بلا ثمن على المدى البعيد.
طرح خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي سؤالين مهمين ومرتبطين بنظام التعليم الذي يمر فيها الملايين في المملكة المتحدة: السؤال الأول حول علاقة البريطاني مع أولئك المهاجرين البريطانيين لاسيما أولئك الذين يتمتعون بالجنسية والحقوق؟ والسؤال الثاني: ما هو نظام التعليم الذي صوّر الأوروبيين المهاجرين بأنهم تهديد لفرص وحياة البريطاني؟
مثل هذه الأسئلة تبدو مشروعة وربما تساعد في فهم تصويت غالبية المشاركين في الاستفتاء للخروج من الاتحاد الأوروبي، لكن الإجابة عليها ليست من السهولة بمكان.. ذلك أن الانضمام البريطاني للاتحاد الأوروبي قبل ثلاثة وأربعين عاماً لم يعن ولم يؤد إلى تغيير في نظام التعليم البريطاني ليستوعب التغير الجديد آنذاك، فبريطانيا في الحقيقة كانت في بعضها جزءا من الاتحاد وفي بعض منها خارج الاتحاد.. كما أن الاتحاد بالأساس ربما استند إلى تطورات الحرب الباردة وموقع أوروبا الجغرافي بين القطبين الولايات المتحدة والاتحاد السوفياتي سابقاً.. فهو ربما كان ردة فعل سياسية اقتصادية وليس بالضرورة إعادة توحيد لأوروبا العجوز.. من أجل ذلك لم تتأثر أنظمة التعليم بدخول الاتحاد حتى تتأثر كثيراً بخروجها منه، كما أنها تبدو بلا تأثير خلال تلك الفترة.
لكن السؤال في جانب آخر يبقى مشروعاً لا سيما المتعلق منه بالقيم المشتركة مع الأوروبيين وكذلك الموقف من المهاجرين الأوروبيين وعلاقة ذلك بالتزام بريطانيا وترويجها لمفاهيم حقوق الإنسان كفكرة عالمية.
الجواب على هذه المسألة يأتي بالقول إن معظم من صوتوا للخروج هم ليسوا أصحاب التحصيلات العلمية المتقدمة، أو انهم من الطبقة المتوسطة الحريصة على الوظائف المتوسطة. إن فوبيا المهاجرين وفق معظم التحليلات البريطانية هي ما دفع نسبة التصويت للارتفاع والتصويت للخروج من الاتحاد الأوروبي، وهذا في حد ذاته يعيد السؤال بقوة كيف أصبح المهاجرون الذين كانوا في لحظة هبة للامبراطورية التي كانت لا تغيب عنها الشمس خطراً ويزج بالعنصرية في مجتمع حارب العبودية والعنصرية معاً بسبب ظاهرة التنوع العرقي والاثني الذي غلبت وستغلب عليه– ربما- حتى رغم كل هذه التطورات الدراماتيكية.
بقلم : محجوب الزويري

محجوب الزويري