كتاب وأراء

اقتصادات الانقلابات الناجحة والفاشلة

نشرت مجلة «الايكونوميست» البريطانية في عددها الصادر في 23 يوليو (تموز) الماضي (صفحة 62) وفى أعقاب الانقلاب الفاشل الذي شهدته تركيا في منتصف الشهر نفسه وما تبعه من نتائج اقتصادية على الساحة التركية مقالة ممتازة تتحدث عن دراسات تمت عن الانقلابات التي حدثت في العالم ومسبباتها ونسب نجاحها وعن تأثيراتها على الأبعاد الاقتصادية في الدول التي حدثت بها.
وبحسب المقالة فلقد قام باحثان من جامعة كنتاكي بالولايات المتحدة (جوناثان باول وكلايتون ثيان) ببناء قاعدة أساسية من البيانات تم فيها حصر كل المحاولات الانقلابية في العالم في الفترة من 1950 و2010. وأوضحت البيانات أن هناك 457 محاولة انقلاب على الحكم في هذه الفترة وأن 227 منها كانت ناجحة و230 فاشلة وبنسبة تقترب من 50% أو النصف تقريبا. ولكن تشير الدراسة إلى ان هذه النسبة تغيرت في السنوات الأخيرة (بعد عام 2003) لتقترب إلى 70% نجاح و30% فشل. وكأن مخططي الانقلابات في العالم قد احترفوا أو تمكنوا من معرفة أفضل الممارسات المفروض اتباعها حين القيام بهذه الانقلابات. هذا بالضرورة يبرهن على أن مخططي الانقلاب التركي إما كانوا من أكثر المنقلبين غباء أو أكثرهم عدم احترافية أو مزيجا من الاثنين.
ومن أهم جوانب الدراسات التي تم ذكرها في هذا المقال والتي أهتم بها شخصيا هو تأثير العوامل الاقتصادية على الانقلابات كمسببات أو نتائج. فعلى سبيل المثال - ومن ناحية الأسباب- تشير دراسات قام بها مجموعه من الباحثين من جامعة كارنيجي ميلون عام 1990 وجامعة أوكسفورد في 2007 أن الدول الفقيرة تزداد فيها احتمالات الانقلابات عن الدول الثرية بواحد وعشرين مرة. كما أن خطر الانقلاب ينخفض بنسبة 27% إذا تضاعف مستوى الدخل الفردي في الدولة. وبنفس الفكرة فان زيادة معدلات النمو بمقدار واحد في المائة يخفض احتمالات الانقلابات بنسبة 4.4%.
أما من ناحية النتائج فتشير الدراسات في معهد ستوكهولم لاقتصادات الدول في المراحل الانتقالية والذي تم فيه بحث مئات من حالات فشل ونجاح الانقلابات في العالم أن الانقلابات الفاشلة ليس لها تأثير ملحوظ على اقتصادات البلد أو معدلات نموه في الأجل المتوسط أو الطويل. فبعد الانقلاب الفاشل تحدث بعض التقلبات قصيرة الاجل التي سرعان ما تستقر ليعود الاقتصاد إلى مساره السابق.
أما الانقلابات الناجحة فإن لها تأثيرا يختلف حجمه وأهميته وفترته باختلاف طبيعة النظام السياسي في البلد المعني. إذا كان نظام الحكم ديمقراطي فإن نصيب الفرد من الدخل القومي يقل بنسبة 1.3% سنويا وعلى مدار عقد من الزمان. أما إذا كان نظام الحكم ديكتاتوري فإن الانقلاب لا يكون له تأثير ملموس على المدى الطويل على اعتبار أن الانقلابات جزء من النظام الطبيعي للحياة السياسية في بلاد لا توجد فيها آلية واضحة لنقل السلطة.
الخلاصة التي يمكن أن يخرج بها القارئ من كل هذه الدراسات المهمة أن الآثار الاقتصادية للانقلاب الفاشل طفيفة وسرعان ما ستعود الأمور إلى نصابها أما الآثار الاقتصادية للانقلاب الناجح فهي بالضرورة سلبية وستختلف مقدارا وحجما وأهمية باختلاف طبيعة النظام السياسي في البلد المعني. فاستبشروا خيرا أيها الأتراك.

بقلم : حسن يوسف علي

حسن يوسف علي