كتاب وأراء

التفحيط بالإبر!

من قصص الشعوب أن رجلا تمكن بعد نحو عشرين سنة من التدريب من رمي إبرة على الأرض بطريقة تجعلها واقفة ثم من مسافة متر يرمي الإبرة الثانية لتستقر على رأس الإبرة الأولى، ثم يرمي الثالثة والرابعة والخامسة والعاشرة لتقف كل واحدة منها على رأس من سبقها فتنتصب الإبر وكأنها عمود.
تكملة القصة أن الرجل طلب مقابلة الوالي ليستعرض أمامه مهارته تلك ويحصل منه على جائزة كان قد وعد بها من يأتي بفعل مبدع، فيقابله وينبهر كل من حضر الواقعة بمهارته تلك وتمكنه من إيقاف مجموعة من الإبر على رؤوس بعضها إلى ارتفاع رجل، لكن الوالي بدل أن يعطيه الجائزة عاقبه بالسجن بعد أن وبخه لأنه ضيع كل هذه السنين من عمره من أجل اكتساب مهارة لا تفيد أحدا ولا تضيف إلى المجتمع الذي يعيش فيه شيئا وقال له إنك أخذت من جهد المجتمع والوطن بدل أن تعطيهما من جهدك.
ذاك الفعل الذي هو في عيون صاحبه إبداع خصوصا بعد أن فرغ نفسه طوال تلك السنين للتميز به بدا في نظر المجتمع سخيفا لا قيمة له بل مضرا ومؤذيا ويستحق صاحبه بسببه العقوبة، فالمجتمع– أي مجتمع– يرفض تضييع أفراده وقتهم في عمل لا يعود على الناس بالخير والمنفعة وإن انبهروا به وصفقوا.
هذا للأسف هو ما تعاني منه جل مجتمعاتنا الخليجية إن لم يكن كلها، حيث يضيع البعض غير القليل من الشباب وقتهم وجهدهم ووقت المجتمع والوطن وطاقتهما في اكتساب مهارات لا تضيف إليهما شيئا بل على العكس تفقدهما وتسلبهما حقا من حقوقهما ولا يربحوا من فعلهم سوى النظر إليهم بطريقة يفترض أنهم لا يستحقونها، ذلك أن من يأخذ من المجتمع والوطن بدل أن يضيف إليهما لا يستحق النقد فقط وإنما السخرية والعقوبة أيضا.
ذكر تقرير أصدرته إدارة المرور بإحدى دول مجلس التعاون الخليجي أن أكثر من 15 ألف مخالفة «تفحيط» تورط فيها مواطنون ومقيمون خلال عامين، وليس معلوما ما إذا كانت الاستعراضات الخطرة التي انتشرت أخيرا تدخل في باب التفحيط.
لعل من المناسب هنا محاكمة المشهد التالي: شاب في سيارة جيب يعتبر نفسه مبدعا بأن يجعل السيارة تسير على إطارين فتبدو وكأنها ستسقط على جنبها بينما ينبطح شباب آخرون على جانبي السيارة مغامرين بأنفسهم وغير مبالين باحتمال سقوط السيارة بكل ثقلها عليهم.. هم يعتبرون فعلهم هذا إبداعا، بل إبداعا ما بعده إبداع، ويعتبرونه تميزا وشجاعة.
الفارق بين هؤلاء وذاك الذي أضاع وقته وجهده ووقت وجهد مجتمعه ووطنه في اكتساب مهارة لا تفيد وبين هؤلاء الذين يضيعون وقتهم وجهدهم في اكتساب مهارة لا قيمة لها هو أن الأول لا يتسبب في أذى الناس ممن يحضرون لمشاهدة «إبداعاته» بينما يمكن أن يتسبب الشباب بـ«إبداعهم» هذا في قتل أبرياء حضروا للفرجة، أو حتى قتل أنفسهم.
فهل يفعل بهم كما فعل الوالي بصاحب الإبر؟

بقلم : فريد أحمد حسن

فريد أحمد حسن