كتاب وأراء

ذكــرى رجـــل عــظــيـــم

مرت قبل يومين في 13 أغسطس الذكرى 75 لوفاة رجل من أعظم من أنجبت مصر والأمة العربية، ولو أن الأمة سارت على نهجه لكان الحال غير الحال، ولما كنا في مؤخرة أمم الأرض تصنيعاً وتقدماً وحضارة، طلعت حرب. (ولد عام 1867 وتوفي عام 1941).
آمن طلعت حرب بأن الاستقلال الحقيقي أن تكون الدولة مستقلة اقتصادياً أولاً، قدم رؤيته الفكرية بشأن كيفية إحداث ثورة عميقة ومؤثّرة من أجل علاج وضع مصر الاقتصادي والتغلّب على مشكلاته وأوجاعه المزمنة، وكانت البداية بإنشاء بنك مصري بالكامل، وبذل جهوداً جبارة استمرت سنين حتى أعلن تأسيس بنك مصر عام 1920.
يُعتبر بنك مصر نقطة البداية لمرحلة الإصلاح الاقتصادي وخطوة على طريق الحرية من الاستعمار الإنجليزي، وقد رأى طلعت حرب أن السبيل لتحرير اقتصاد مصر هو إنشاء بنك مصري برؤوس أموال مصرية مستقلة، فاستطاع إقناع 126 من المصريين بالاكتتاب لإنشاء البنك، وبلغ ما اكتتبوا به ثمانين ألف جنيه، وزادت ودائع البنك مقارنة بالبنوك الأجنبية العاملة في مصر، مما أنهى مقولة الاستعمار التي كانت تتردد في ذلك الوقت «المصري لايعرف إلا الاستدانة» فحفز البنك الادخار لدى المصريين حتى الأطفال بعد أن وزع البنك حصالات على التلاميذ ثم يفتح لهم بما فيها دفاتر توفير بالبنك.
وكان طلعت حرب مؤمناً بالعلم والثقافة، وكان هو نفسه مؤلفاً أصدر بضعة كتب منها (تربية المرأة والحجاب، فصل الخطاب في المرأة والحجاب، مصر وقناة السويس، تاريخ دول العرب والإسلام) وبعد عامين فقط من إنشاء بنك مصر قام طلعت حرب بإنشاء أول مطبعة مصرية، وتوالت الشركات المصرية مثل شركة مصر للنقل البري (حافلات لنقل الركاب وشاحنات لنقل البضائع) وشركة للنقل النهري، وشركة للغزل والنسيج بالمحلة الكبرى، واستقدم طلعت حرب خبراء هذه الصناعة، وأرسل بعثات العمال والفنيين للتدرب في الخارج. كما أقام مصنعا لحلج القطن في بني سويف، ومخازن لجمع القطن، وشركات لأعمال الأسمنت المسلح، والصباغة، والمناجم والمحاجر، وتجارة وتصنيع الزيوت، والمستحضرات الطبية، والألبان والتغذية، والكيمياويات، والفنادق، والتأمين. وكان له دور كبير في إنشاء شركة مصر للطيران كأول شركة طيران في الشرق الأوسط، وآمن بدور الفن فساهم أيضاً في إنشاء شركة مصر للتمثيل والسينما.
آمن طلعت حرب ببناء الوطن بالعمل وليس بالهتافات والزعيق والشعارات، أراد من أبناء الوطن أن يبنوا الوطن، وأن نستقل اقتصادياً وصناعياً وزراعياً، وعندها يكون الاستقلال السياسي تحصيل حاصل، وها نحن بعد عقود من الاستقلال لم نحقق الاكتفاء الذاتي العربي من أي شيء، فهل نحن حقاً دول مستقلة ذات سيادة؟
بقلم : نزار عابدين

نزار عابدين