كتاب وأراء

«رجعت الشتوية»


من مقهى «لاونج ميمبر» بالنادي الدبلوماسي بالدوحة «جلست استمع لفيروز تشدوا «رجعت الشتوية».
ليت نثري يصف هذا الشعور بالعوز لأي شيء ينتسب للبرد النادر بمنطقتنا ولو وهم بأغنية تمسح من ذاكرتنا عرق صيف الخليج العاضد.
نعلم بوجود حكم نجهلها، كضرورة ضيافة الصيف الثقيل كالسيف على حياتنا، كحتميات للسنن الكونية في تغيير الفصول كافة.
لكن بإزاء هذا ال «أب» العتيّ، الفتيّ والذي نواجه طاقاته الملتهبة يومياً، والذي تعجز أمام فتونته المكيفات والبرادات والمراوح، نعجز عن ادعاء الحكمة، بيد أننا نتصير ولا نجد ملاذاً منه سوى الذاكرة والخيال والوهم وحفنة من أحلام يقظة تسمح لنا ويكأننا نحيا على أعتاب التشارين والكوانين.
فتشرين المقبل أحببته كما أحببت سائر تشارين الحياة، فلطالما حمل لي الثاني منه النبأ السار الذي أنتظره من العام للعام وهو نبأ «رجعت الشتوية»
يا دنيا شتي مصاري
شتي علينا فلوس ومطر
لكم زارني بمنامي طيف شتاء المصاري عليّ، كما حلمت بطيراني بالفضاءات الكونية في سماء الشتاء.. أسابق السحاب وأداعب العباب وأستقي من المزن شربة مليحة المذاق وأهطل مع الهتان لو صفت نفسي رضاً.. ثم أرعد وأبرق إذا ما غضبت، لأعاود الصفو فأغسل الأرض بسيول من دموع النفس تماماً كحال الشتاء.
فأنا كوالدي، فتاة شتوية.. تشرينية المزاج، كانونية الروح وينارية الأمل في عودة غيث «شباط» من جديد لمحو الآم الصيف الحارقة من حزيران حامل النكسات وتموز هادم اللذات وحتى أيلول صاحب اللعنات.
لكم أنحاز «للكوانين»، حتى تشرين لم يخذلني سوى بقاسمة بفراق والدي.. أما سواه من التشارين فقد جملت حياتي.
فالثاني منه، حمل ذكري زفاف والداي، وآخره حبل بتاريخ زواجي كما دمغ لحظة وصولنا لقطر مذ قرابة عقدين، حتى يصعب علينا الآن الادعاء أننا نعيش غربة بالمعنى الحارق للكلمة.
فقد ألفنا قطر وألفتنا، فقضينا فيها الأيام والمواسم والأعياد، بل مضى جل العمر على ترابها.
لكن ثمة شعور رعديد يمطرنا لدى سماع أخبار مرض أو وفاة أصفيائنا بالوطن، كما تنزل علينا النوّة حال حدوث تهديد لنا في العمل وغيرها من الصعوبات.
لكنا نتعايش ونسعد بالتمتع بما هو موجود ونهجر التفكير في المفقود، وإن كان الوطن العالق في كروموزوماتنا.
وطن زلت عنه أقدامنا ولم تزل عنه أقدارنا
وطن يعيش فينا ولا نعيش فيه كما قال البابا شنودة.
وطن تبرع بنا ولا زلنا نلعق طميه
وطن نتذكر طعم ثماره ولا نملك قطافها
مساء.. مساء.. بلاد العالم كلها مساء ووطني وحده هو صباح حياتنا.
يخيل لي أني لمست هذا المعنى لدى مطالعتي لهذا البيت للشاعر
«هنري ميشو»
«أمسيات..أمسيات.. كم من أمسيات لصباح واحد»
SOIRS SOIRS SOIRS، QUE DE SOIRS POUR UN SEUL MATIN
غير أن أولادي لم يعيشوا الوطن ولم يعش فيهم.. لم يألفوا دخول بيوت الأهل ولم يعتادوا بيوت الأقارب ونادرا ما جلسوا بمطبخ الجيران.. فالأهل بالنسبة لأبناء المغتربين ترادفها كلمة ضيوف.
منذ بعيد، طالعت كتاب «أرز بلبن لشخصين» لرحاب بسام التي أفردت صفحتين شكر للأصدقاء بخاتمة إصدارها.
فتمنيت اقتناء رهط من الأصدقاء بكيفية ماسية وكمية رملية على أن لا أنقص من نعمي شيئا.. ثم استغفرت.
آمل أن يصادقني أبنائي بعد حين!
بقلم : داليا الحديدي

داليا الحديدي