كتاب وأراء

جولات الحوار.. آفاق الحل في لبنان

أثارت جولات الحوار الثلاثة التي جرت في لبنان في 2و3و4 آب الجاري بين الأطراف الأساسية المكونة للكتل النيابية إلى جانب رئيس الحكومة تمام سلام، أثارت العديد من التساؤلات حول مدى جدية هذه الحوارات والنقاشات التي جرت في التوصل إلى اتفاق على إجراء اصلاحات حقيقية تبدأ بإقرار قانون انتخاب على مقاس كل اللبنانيين وليس على مقاس الطبقة السياسية الحاكمة التي طالما.
ومنذ اتفاق الطائف، عمدت إلى تفصيل قوانين الانتخاب على النحو الذي يؤمن لها القدرة على الفوز بأكبر عدد من المقاعد لضمان هيمنتها وسيطرتها وتحكمها بمفاصل السلطة التشريعية والتنفيذية والقضائية واستطراداً انتخاب رئيس الجمهورية.
واللافت في جولات الحوار الجديدة أنها ولأول مرة ناقشت اقتراح رئيس مجلس النواب نبيه بري بانتخاب مجلس نواب وطني على قاعدة التمثيل النسبي ومناصفة بين المسلمين والمسحيين، وانتخاب مجلس شيوخ على أساس طائفي ومذهبي وفق النظام الاكثري، ( أي القانون الأرثوذكسي)، وهذا الاقتراح جاء متوافقاً مع ما نصت عليه المادة 22 من دستور الطائف الذي نص على انه مع انتخاب مجلس نواب وطني يستحدث مجلس للشيوخ يمثل العائلات الروحية.
وهذا النقاش للقانون المزدوج الذي جرى على طاولة الحوار كان مفاجئاً للبنانيين عموماً الذين استبشر بعضهم خيراً بان تكون أطراف طاولة الحوار قد أدركت مخاطر الاستمرار بالأزمة وما يعانيه اللبنانيون على كافة الأصعدة، وقررت البحث جدياً بإصلاح قانون الانتخاب استجابة لتطلعات المواطنين الجامحة بالتغيير، ووضع حد لاحتكار التمثيل النيابي من قبل بعض القوى، وحرمان الكثير من اللبنانيين من حق التمثيل في البرلمان بالنسبة التي يحصلون عليها.
لكن البعض الأخر من اللبنانيين ظل متخوفاً من أن يكون هذا النقاش وإبداء الاستعداد من قبل بعض الأطراف، لاسيما رئيس كتلة تيار المستقبل فؤاد السنيورة، يأتي من باب المناورة لا أكثر.
لكن ما أن عقدت الجولة الثالثة للحوار حتى جاءت نتائجها مخيبة تماماً للآمال وعاد التشاؤم بالتوصل إلى حل للازمة ليكون سيد الموقف، فلم يتم الاتفاق على أي خطوات عملية لترجمة هذا الاستعداد لتطبيق المادة 22 من الدستور الذي ظهر فجأة في نقاشات الجولة الثانية، فيما الاشتراطات الثلاثة التي طرحها السنيورة للموافقة على قانون انتخاب مجلس نواب وطني، ومجلس للشيوخ جاءت لتفرغ هذا القانون من مضمونه الاصلاحي، وتطفئ بصيص الضوء الذي ظهر لساعات.
وهذه الاشتراطات هي:
الاشتراط الأول: الدعوة إلى تمثيل الطوائف في مجلس الشيوخ نسبياً، وليس بالتساوي وفق النظام الاكثري، مخالفاً ما أعلنه في الجولة الثانية.
الاشتراط الثاني: عدم ممانعة السنيورة في اعتماد لبنان دائرة انتخابية واحدة لكنه أرفق ذلك بالقول أن النسبية بحاجة إلى نقاش.
الاشتراط الثالث: اقترح أن يكون لمجلس الشيوخ حق الاعتراض على قوانين يصدرها المجلس النيابي، وهو أمر ينسف من الأساس الهدف من نظام المجلسين.
من الواضح أنه من خلال هذه الاشتراطات أن السنيورة أعاد النقاش في مسالة قانون الانتخاب إلى نقطة الصفر.
هذه النتيجة المخيبة أعادت بعث أجواء ومناخات الاحباط واليأس من إمكانية أن تخرج أو أن تجترح طاولة الحوار حلولاً اصلاحية تنقذ البلاد من أزمتها، بعيداً عن حركة شعبية وسياسية قوية في الشارع قادرة على الإخلال بتوازن القوى على مستوى السلطة ومجلس النواب وأن تفرض عليهم الاستجابة لمطالب أغلبية اللبنانيين وتنفيذ وصاياهم بإقرار قانون انتخاب عصري ويحقق صحة وعدالة التمثيل للجميع، وليس مفصلاً على مقاس البعض، ولهذا تبين بما لا يدع مجالاً للشك بعقم المراهنة بأن تفلح طاولة الحوار بالتوصل إلى قانون انتخاب يستجيب لتطلعات اللبنانيين بالتغيير، وإعادة تكوين مؤسسات الدولة على أسس ديمقراطية حقيقية تؤسس لتداول فعلي للسلطة بعيداً عن سياسات الاستئثار والاحتكار والهيمنة، وبالتالي توفر الأساس لإعادة الحياة إلى أجهزة الرقابة والمحاسبة والمساءلة، واستطراداً محاربة الفساد المستشري في مؤسسات الدولة والمحمي من بعض النافذين بالسلطة، وصولاً إلى رفع الغطاء عن الفاسدين وتحويلهم إلى القضاء وإنزال العقاب الذي ينص عليه القانون بحقهم، وهو ما يشكل المدخل الإلزامي لإعادة بناء دولة المؤسسات والقانون التي نص عليها الطائف، ولم يجر تحقيقها حتى الآن لعدم الالتزام بتطبيق البنود الاصلاحية للطائف.
إن استمرار الأزمة، وعدم التوصل إلى حلول اصلاحية، باتت ضرورية للخروج منها، يزيد الأمور تعقيداَ ويدفع البلاد نحو المزيد من التأزم على الصعد كافة، السياسية والاقتصادية والاجتماعية والخدماتية، ويجعل الخيارات لمواجهة هذه الأزمات أكثر صعوبة، في حين أن لا بصيص ضوء باقتراب حصول انفراجات إقليمية ودولية تنعكس ايجاباً على لبنان وتدفع أطراف أساسية في السلطة إلى التوقف عن ممارسة ترف السياسة وانتظار الحلول من الخارج.
فمن يضمن ألا يستفيق اللبنانيون في أي يوم من الأيام على انفجار أزمة اقتصادية أو مالية أو اجتماعية لاسيما وأن كل المؤشرات تبين أن العجز بالموازنة يتفاقم، وأن الدين العام بازدياد، وأن الوضع الاقتصادي في تراجع مستمر، والوضع الاجتماعي بحالة احتقان وضغط ما قبل الانفجار.
في كلا الأحوال فان التعايش مع الأزمة طويلاً ليس متاحاً في ظل هذه الأزمات المتفاقمة، في حين أن استحقاق إجراء انتخابات نيابية في أيار المقبل لا يمكن القفز فوقه، لاسيما وأنه من الصعوبة بمكان تمرير تمديد جديد للمجلس، في وقت أن أطرافاً أساسية في السلطة، مثل التيار الوطني الحر ومعه الكثير من القوى يرفضون إجراء انتخابات على أساس قانون الستين، ويطالبون بإقرار قانون جديد على أساس معيار واحد ليس مصاغاً على قياس أحد، وهو ما يشكل جوهر الصراع المحتدم بين جميع الأطراف في السلطة وفي خارج السلطة حيث الحراك الشعبي والسياسي ترتفع وتيرته للمطالبة بقانون انتخاب يعتمد النسبية الكاملة.

بقلم : حسين عطوي

حسين عطوي