كتاب وأراء

مخططات إسرائيل.. في حال تفكك الشرق الأوسط

تتحسب إسرائيل لاحتمال أن يتفكك الشرق الأوسط بالفعل في ضوء تزايد حدة الاضطرابات القائمة في أكثر من موقع بالمنطقة.
ومع أن اليمين الإسرائيلي المهيمن على مقاليد صنع واتخاذ القرار لايزال مقتنعاً بأن إسرائيل قادرة دائماً على أن تكيف نفسها مع المستجدات من خلال التركيز على زيادة قدراتها الدفاعية والامتناع عن التدخل قدر الإمكان، إلا أن بعض مراكز الأبحاث الإسرائيلية المهمة تتحدث الآن عن أن ذلك ليس كافياً لحماية مصالح إسرائيل في ظل تزايد حدة الاضطرابات واتساع رقعتها في الشرق الأوسط، وتطالب بتدخلات للاستفادة من الأوضاع المستجدة وببناء تحالفات مع اللاعبين الجدد.
مركز أبحاث الأمن القومي التابع لجامعة تل أبيب أصدر مؤخراً تقريراً عن الفرص والتحديات أمام إسرائيل العام القادم «نشرته وكالة سما الفلسطينية» تضمن أن الاضطرابات الجارية في الشرق الأوسط منذ 5 سنوات لا يبدو واضحاً أنها ستنتهي في المستقبل القريب، بل ستستمر لفترة من الزمن، وهي نتيجة حدوث ثلاثة أنواع من الصراعات في وقت واحد هي الصراع الاجتماعي والاقتصادي، والصراع الطائفي السني– الشيعي، والصراع السني– السني. وفي تقدير واضعي التقرير أن هذه الصراعات تجعل محيط إسرائيل القريب منظومة معقدة كثيرة الأوجه والمنطقيات وذات انتماءات وتأثيرات متبادلة.
وطالما الوضع على هذا النحو من التعقيد يطالب التقرير بوضع جدول أعمال إقليمي شامل لا يفصل بين ساحة وأخرى.
ومن حيث الآليات، يشير التقرير إلى أنه لكي تواجه إسرائيل الأوضاع المحيطة، ولكي تستعد لتفكك النظام الرسمي في الشرق الأوسط على حد تعبير واضعي التقرير، فإنه على إسرائيل تسخير لاعبين مختلفين رسميين وغير رسميين ليصبحوا شركاء.
ويذهب التقرير إلى ما هو أكثر صراحة عندما يقول إن طبيعة التحديات الراهنة أمام إسرائيل تجعل «من الصواب أن تقيم إسرائيل علاقات سرية وعلنية أيضاً مع مجموعات عرقية ومع أقليات ولاعبين آخرين غير معادين لإسرائيل ويتوقع أن يكون لهم دور بناء ومستقر في رسم معالم أوجه الشرق الأوسط».
التعامل الجديد المقترح هو التدخل الصريح وغير الصريح في البقاع التي تشهد تغييراً. ويتصدر التحديات الوضع الراهن والمستقبلي للنظام الحاكم في سوريا والحرب الأهلية الطائفية هناك، والتداعيات الإقليمية للحرب على «داعش» وما يعقبها من تسويات دولية، ثم القضية الأم وهي حل الصراع العربي الإسرائيلي بصورة نهائية.
لا يذكر المتاح من التقرير ما هي الائتلافات السياسية العليا التي يدعو لها، وهل هو يقصد مشاركة إسرائيل الدول الكبرى في رسم الخريطة الجديدة للشرق الأوسط أم غير ذلك، كما لا يذكر التقرير من هم اللاعبون الجدد الذي يطالب بالتعاون معهم، وإن كان يتحدث صراحة عن الانفتاح على الأقليات والجماعات العرقية والتعاون معهم!
ومما يعد لافتاً أن يذكر التقرير في نهايته ضرورة أن تقدم إسرائيل بطاقة دخولها المنطقة العربية بطرح مبادرة سياسية مع نيات حقيقية حول حل الدولتين، مما يثير تساؤلاً مشروعاً عما إذا كان يجري إعداد المنطقة لتسوية ما تقابل بين العلاقات الطبيعية مع الدول العربية وبين إقامة دولة فلسطينية بجانب إسرائيل.
قد يجد المتابع للشأن الإسرائيلي بعضاً من الشواهد على تفعيل لما جاء في هذا التقرير، ولكن هناك تحفظين رئيسيين يفرضان التعامل مع هذا التقرير بحذر هما أن الدولة العبرية تعودت على مبدأ البندقية وبرج المراقبة كما يقول خبراء الشؤون الإسرائيلية، أي الدفاع ومراقبة ما يجرى، ومن ثم فإن تحولها إلى مبدأ التدخل في مناطق الصراعات الجارية حولها يعد مجازفة محفوفة بالمخاطر. وأما التحفظ الثاني فهو أن التقرير من حيث الجوهر يتناول التعامل مع وضع افتراضي محتمل هو تفكك الشرق الأوسط، ومن ثم فإن ما ذهب إليه من تقديرات يخضع للتحقق أو النفي. ولكن يظل التقرير مثالاً على ما تفكر فيه إسرائيل بخصوص ما تشهده المنطقة من تطورات ساخنة ومتلاحقة.

بقلم : عبدالعاطي محمد

عبدالعاطي محمد