كتاب وأراء

وراء ستار الألعاب الأولمبية

تقدم دورة الألعاب الأولمبية (التي تبدأ هذا الاسبوع في مدينة ريو دي جنيرو في البرازيل) على انها مهرجان عالمي للصداقة بين شعوب العالم. الحقيقة ليست كذلك. فقد صدر كتاب جديد للمؤرخ دافيد غولدبلات عنوانه:( الألعاب: التاريخ العالمي للأولمبياد)، يكشف فيه الكثير عن وقائع سلبية جداً تكمن خلف ستار المهرجانات الاحتفالية.
من ذلك مثلاً انه خلال دورة الألعاب الأولمبية في المكسيك في عام 1968 استبعدت اللجنة التنظيمية توظيف أو التعاون مع أي شخص من أصحاب البشرة السوداء أو الشديدة السمرة، وحصرت التعاون مع أصحاب البشرة البيضاء من المجتمع.
وخلال دورة الألعاب التي جرت في اتلانتا بالولايات المتحدة في عام 1996 اتخذت السلطات المحلية مبادرة «لتنظيف» المدينة من السود المشردين. وبعد أن جرى تجميعهم أمام مواقع محددة في مختلف أنحاء المدينة، قدم لكل واحد منهم مجاناً بطاقة سفر بالقطار أو بالأوتوبيس إلى أي مدينة اخرى في الولايات المتحدة يستطيع الواحد منهم أن يجد فيها مأوى له (؟). المهم أن يبعد عن مدينة أتلانتا خلال دورة الألعاب الرياضية.. لتبدو المدينة في حالة مثالية اجتماعياً واقتصادياً، وتالياً أمنياً!!
وكانت السلطات المحلية قد استخدمت الأيدي العاملة من المهاجرين المكسيكيين –بمن فيهم بعض المشردين أنفسهم- لبناء المجمّعات الرياضية، وذلك مقابل أجور بخسة.
وحدث في دورة الألعاب الأولمبية التي جرت في فرنسا في عام 1924 أن فاز ولأول مرة في تاريخ هذه الدورات أميركي من اصول افريقية بميدالية ذهبية في مباريات القفز الطويل. وكان اسمه وليم هوبارد. غير ان الاعلام الأميركي لم يشر إلى هذا الانتصار الكبير. فقط الصحف المحلية والصغيرة التي ينشرها اميركيون من أصول افريقية هي وحدها التي أشارت بتباهٍ طبعاً إلى هذا الانتصار الحدث.
وفي دورة الألعاب التي جرت في برلين في عام 1936 –والتي قام ادولف هتلر نفسه بافتتاحها- فاز رياضي أميركي يتحدر من أصول افريقية ايضاً وهو جيسي اوبنز بأربع ميداليات ذهبية، مع ذلك لم تشر إلى هذا الانتصار العظيم أي صحيفة من الصحف الأميركية الكبرى سوى تلك التي يملكها ناشرون أميركيون سود.
ولم يكن العامل العنصري وحده وراء اهمال أو الاهتمام بنتائج الألعاب. فقد لعب العامل الديني ايضاً دوراً في ذلك. فالوثائق تكشف ان عضو لجنة الألعاب الأولمبية الأميركية افيري برونداج مثلاً، أرسل إلى رئيس لجنة الالعاب الأولمبية الألمانية خلال دورة برلين رسالة يطمئنه فيها إلى ان الأندية الرياضية التي يتولى ادارتها في شيكاغو تستبعد من عضوية فرقها الرياضية إلى دورة برلين أي رياضي يهودي.
كذلك كان لعامل التمييز الجنسي دوره السلبي في الألعاب الأولمبية، فعلى سبيل المثال عندما فازت العداءة الهولندية فاني بلانكرز كووين في دورة لندن في عام 1948 بأربع ميداليات ذهبية لفوزها بأربعة سباقات مختلفة، تلقت رسائل تفيض بالكراهية.. وليس بالتهنئة.. لمجرد انها أنثى.. وكانت تركض «بالشورت».
وفي الواقع فانه حتى عام 1960 كان الفاتيكان يحظر على رجال الدين حضور أو حتى مشاهدة المباريات النسائية. ولاثبات انوثة بعض الرياضيات موضع الشك (؟) كنّ يخضعن لفحص مهين للكرامة الإنسانية.
كذلك كان «للعنصرية الوطنية» دور بارز أيضاً. ففي عام 1984 على سبيل المثال، فشل رياضي صيني خلال دورة الالعاب التي جرت في لوس انجلوس في الحصول على أي ميدالية في رياضة القفز العالي. وعندما عاد إلى بيته في شنغهاي، وجده محطماً.. ووجد عائلته مشرّدة وفي حالة رعب بعد أن تعرضت لعدوان انتقامي بسبب فشله!!.
ولعل القضية الأكثر اثارة في دورة الالعاب الحالية في دي جينيرو هي قضية تعاطي المنشطات. وهي القضية التي شوهت سمعة الفريق الروسي وأدت إلى استبعاد عدد من عناصره. وبصرف النظر عن الأبعاد الأخلاقية التي تقول بها اللجنة الأولمبية، أو عن الأبعاد السياسية التي تقول بها الحكومة الروسية، فان هذه القضية بدأت في الظهور منذ أواخر الثلاثينات من القرن الماضي. يومها اثيرت على خلفية انعكاسات تعاطي المنشطات على صحة الرياضيين، وتناقضها مع القاعدة العامة التي تقوم عليها دورة الألعاب الأولمبية، وهي ان المشتركين فيها هم من الهواة وليسوا من المحترفين. وبالتالي فان ما قد يصح للمحترفين لا يصح للهواة من الرياضيين!!.
في الاساس لم تكن الألعاب الأولمبية الأولى في أثينا باليونان مهرجاناً للسلام والتعارف والتقارب بين الشعوب كما هو شعارها اليوم، ولكنها كانت اختبارات ميدانية أولية لاختيار العناصر الكفؤ المؤهلة للحرب والقتال.
من أجل ذلك حاول ارستقراطي فرنسي يدعى بيار غونبيرتين في عام 1896 (فشل في الانضمام إلى سلك الكهنوت الكاثوليكي) تنظيم دورة العاب أولمبية يقتصر المشتركون فيها على الرجال فقط ؛ وحصر عدد المباريات بتسع تستمر لمدة اسبوعين.
كان الفائز الأول يحصل على ميدالية فضية (وليس ذهبية). وكان احتفال تقديم الميداليات للفائزين يتطلب ارتداء قبعات سود وربطات عنق سوداء ايضاً.
لم تكن هناك لجنة أولمبية تغرق في ذلك الوقت في مليارات الدولارات ( عائدات الاعلانات التجارية والبث التليفزيوني وسواه). كانت اللجنة المنظمة معدمة، حتى ان عداء ايطاليا لم يجد من يموّل سفره إلى الدورة التي كان ينظمها الفرنسي غونبيرتين، اضطر إلى الانتقال من ايطاليا إلى فرنسا على رجليه للمشاركة في دورة الألعاب.
أما اليوم فان المليارات تتدفق على اللجان الأولمبية، وتفسد بعض أركانها كما حدث مع لجنة الفيفا التي تنظم الدورات العالمية لكرة القدم!.
بقلم : محمد السماك

محمد السماك