كتاب وأراء

تركيا والغرب.. الانقلاب أم قطع الشعرة!

تتزايد حدة الحرب الكلامية بين عواصم غربية وبين تركيا، وفي المقابل تبدو أنقرة في خطابها شديدة اللهجة وناقدة بحدة للموقف الغربي من الانقلاب الفاشل.
الانقلاب العسكري الفاشل يبدو الشعرة التي قصمت شعرة العلاقات بين الطرفين، صحيح ان ثمة اختلافات لم تتوقف حول المواقف من تطورات المنطقة انطلاقا من الموقف من اسرائيل والعلاقة مع حركة المقاومة الإسلامية حماس مروراً بالموقف من تطورات الأزمة السورية والعراقية وتبعاتها من قضية اللاجئين وقضايا ما يسمى بالإرهاب ونشاطات تنظيم الدولة الإسلامية وانتهاء بالانقلاب العسكري الفاشل.
المتتبع للخطاب التركي نحو الولايات المتحدة الاميركية ودول أوروبية أخرى متوافقة في موقفها مع واشنطن يلمس جملة من المكونات الأساسية التي تشمل ما يلي:
اولاً: ان زمن الانقلابات العسكرية قد انتهى إلى غير رجعة ان لم يكن في العالم الثالث فقد انتهى في تركيا على الأقل. تلك كانت رسالة عبدالله غل في الساعات الأولى للانقلاب الفاشل حيث ركز على ان تركيا ليست بلداً في افريقيا أو أميركا اللاتينية، هذه الرسالة مستندة إلى ما حققته تركيا من إنجازات دفعت ثمنها في مخاضات التغيير منذ عقد الثمانينيات، إنجازات شملت الاقتصاد والسياسة اللذين انعكسا على حياة التركي العادي المعارض أو المؤيد. ثانياً: السعي الاميركي والغربي لاستعمال الحلفاء والاستغناء عنهم متى ما كان ذلك مناسباً انتهى ايضاً بالنسبة للنخبة الحاكمة في تركيا.
تقر النخبة الحاكمة بعلاقات استراتيجية مع واشنطن وحلفاء غربيين، لكنها في ذات الوقت لم ولا تريد ان تجعل هذه التحالفات الاستراتيجية على حساب تركيا الدولة والهوية والإنسان، يبدو ذلك جلياً في بحث مسألة قضية اللاجئين حين أصرت تركيا على مساعدة دول الاتحاد في الحد من الهجرة غير الشرعية لأوروبا مقابل السماح للأتراك بدخول دول الاتحاد دون تأشيرة دخول.
ثالثاً: تقر النخبة الحاكمة في تركيا بتنويع الحلفاء والتحالفات، لكنها في ذات الوقت تقر بأهمية الجغرافيا السياسية، من هنا تجد انقرة حريصة على علاقات متوازنة مع الرياض من جهة ومع طهران من جهة أخرى، كما أنها تبدو حريصة على توازن آخر بين روسيا وبين الولايات المتحدة الاميركية. التنوع في التحالفات يشمل الانتقال إلى افريقيا في مشاريع اقتصادية وتنويع مصادر الدخل القومي.
انقرة بحراكها السياسي والاقتصادي إنما تعكس حالة التشكك من البقاء منحصرة في علاقاتها في الدائرة الغربية أو الاميركية. بالطبع لهذا التنويع محاذيره من حيث ان بعض الحلفاء لا ينسجمون في حركتهم السياسية مع المواقف التركية من حيث التوقيت والكيفية وهو أمر لا شك انه النخبة الحاكمة تستشعره في كثير من الملفات ومنها الملف السوري.
رابعاً: تبدو النخبة الحاكمة في تركيا على بينة أن تبعات الانقلاب الفاشل لن تنته بسرعة أو كما وصفها الرئيس التركي رجب طيب أردوغان ان زلزال الانقلاب سيكون له ارتدادات، وان الحكومة تعمل على منع تلك الارتدادات، هذه الارتدادات تشكل التأثيرات الاجتماعية والسياسية والاقتصادية للانقلاب الفاشل. هذه الارتدادات تزيد من أعباء النخبة الحاكمة لا سيما في تعاملها مع الغرب. فالدول الغربية وعلى رأسها واشنطن هو من ينتقد إجراءات الحكومة التركية مع الانقلابيين وعملية التطهير الواسعة التي تشنها الحكومة ضد التنظيم الموازي، هذه الانتقادات تستدعي عملاً سياسياً وإعلامياً لمواجهة عملية التحريض ضد الحكومة التركية ومحاولة إظهار تلك الاجراءات على انها إجراءات حزب العدالة والتنمية وليست الدولة التركية.
من هنا يبدو جلياً صحة الانفتاح الذي تقوم به حكومة الرئيس اردوغان على المعارضة بشكل لم يسبق له مثيل لتفويت الفرصة على محاولة تقسيم المشهد السياسي تمهيداً لإضعافه.
بقلم : محجوب الزويري

محجوب الزويري