كتاب وأراء

المظاهر والأسباب.. أميركا والانقسام الداخلي (3)

لم تظهر حالة الانقسام السياسي والاقتصادي والاجتماعي والديموغرافي الذي تعاني منه الولايات المتحدة خلال الثلاثين عاما الماضية كما ظهرت وتجلت بوضوح صارخ على مدار الأسبوعين الاخريين من شهر يوليو ومن خلال المؤتمرين المتعاقبين للحزبين الجمهوري والديمقراطي الذين انعقدا في مدينتي كليفلاند (أوهايو) وفيلادلفيا (بنسلفانيا) على وجه الترتيب.
الغرض من المؤتمرين هو الاتفاق النهائي على البرنامج السياسي لكل منهما والذي سيخوض الحزبان الانتخابات القادمة على أساسهما وبالطبع للتصويت على أو تقديم المرشح الذي سيمثل كلا منهما (مستر ترامب والسيدة كلينتون) في الانتخابات الرئاسية القادمة.
وخلفية بسيطة عن هذين الحزبين اللذين يمثلان 90 % من الناخبين الأميركيين- ولم يحدث من قبل أن فاز أي مرشح لأي حزب ثالث أو أي مرشح مستقل بالانتخابات الرئاسية- توضح أن المنافسة دائما تكون بين هذين الحزبين وممثليهما. الحزب الجمهوري تم تأسيسه عام 1854 تحت رعاية إبراهام لينكولن (الرئيس السادس عشر في تاريخ أميركا) بهدف مقاومة الاستعباد والاسترقاق وهو الحزب الذي ينادي بالحرية الاقتصادية الخالصة والتي تدعو إلى عدم تدخل الدولة في الحياة الاقتصادية ومنح القطاع الخاص الإمكانات الكاملة لقيادة الاقتصاد.. أما الحزب الديمقراطي فلقد تم إنشاؤه في 1792 بواسطة توماس جيفرسون (الرئيس الثالث في تاريخ أميركا) لتشجيع اللامركزية الفيدرالية وتأييدا للولايات المختلفة في حقها في إدارة شؤونها الداخلية وكذلك للدفاع عن مصالح العمال والمزارعين.. كما عرف الحزب الديمقراطي في ما بعد بمناداته بالحكومة النشطة التي يجب أن تتدخل في الحياة الاقتصادية لإعادة توزيع الدخل لصالح الطبقات الفقيرة.
من تابع الفعاليات والمتحدثين في هذين المؤتمرين لابد وأن يخرج بنتيجة مؤداها أن كل حزب يتكلم عن أميركا مختلفة جذريا عن الأخرى.. أو كما شبه البعض انها قصة بلدين متناقضتين.. فبينما رسم ممثل الحزب الجمهوري رجل الأعمال المليونير المشهور ترامب صورة قاتمة لوضع الولايات المتحدة الحالي؛ فهي صورة دولة كانت عظمى فأضحى اقتصادها منهار وجيشها في وضع كارثي.. المهاجرون الجدد إليها (من المكسيك وأميركا اللاتينية خاصة) يأتون بصحيفة حوادثهم وسجلاتهم الإجرامية فهم يعيثون في الأرض فسادا ويروعون المواطنين الآمنين، أما المهاجرون الجدد من المسلمين فهم قنابل موقوتة يجب التخلص منها ومنع دخولهم أميركا من الأساس! وضع أميركا الدولي- حسب ترامب- ليس أحسن حالا فهي تتحمل كل نفقات الدفاع عن أوروبا والدول الأعضاء في الناتو الذين لا يساهمون في تكاليف حمايتهم. أما إيران فلقد استغفلت أميركا والاتفاق معها خطأ فادح.. كذلك الصين التي تعقد اتفاقات غير عادلة مع أميركا وتثرى على حسابها وتسبب لعمالها البطالة بسبب استدراج الشركات الأميركية العملاقة لفتح فروعها في الصين.
أما ممثلة الحزب الديمقراطي السيدة كلينتون فترسم صورة مغايرة تماما، تعتمد على أن أميركا مازالت وستظل عظيمة ولقد تحسن وضعها كثيرا في عهد الرئيس أوباما الذي أعاد الاقتصاد إلى مساره الصحيح بعد أن استلمه في أدنى حالاته إبان الكساد العظيم في 2008.. فمعدلات البطالة الآن 5 % في أدنى حد لها منذ ثلاثين عاما والتضخم لم يتعد 2.5 % والبورصة والقطاع العقاري عادا ليستردا عافيتهما وارتفع مستواهما عما كانا عليه عام 2007.. وتجمع كلينتون حولها كل الأقليات التي أساء إليها ترامب (لاتينيين ومسلمين وسيدات وسود ومثليين).. كما أنها باحتوائها منافسها ساندرز تمكنت من أن تكسب أصوات معظم مناصريه من الشباب والعمال.
وبينما يلعب ترامب على وتر التغيير والهجوم على كلينتون- التي لا يثق في مصداقيتها أكثر من 50 % من الشعب الأميركي- ويوظف الخوف والكراهية بين فئات المجتمع المختلفة «ليعيد إلى أميركا عظمتها». وينجح في استقطاب ما يقارب 30-40 % من الناخبين الأميركيين ليفضح عنصرية المجتمع وانقسامه تعتمد السيدة كلينتون على إنجازات أوباما لتشعر الأميركيين أن التغيير سيكون للأسوأ وأنه «ترامب» غير مؤهل وغير قادر نفسيا أو حتى عقليا على قيادة أميركا ولذا تلعب على وتر التفاؤل لترسم صورة وردية ومتطلعة لهذا البلد الذي تعتبره «كان ومازال عظيما» على أمل أن تصبح أول سيدة تصل لمنصب الرئاسة في تاريخ أميركا.

بقلم : حسن يوسف علي

حسن يوسف علي