كتاب وأراء

حلب لا شرقية ولا غربية

لعل الحدث السوري الأكثر أهمية خلال الأشهر الماضية هو فك الحصار المفروض على سكان حلب الشرقية والذين يزيد عددهم على الثلاثمائة ألف شخص عانوا منه ما يفوق طاقة البشر، ليس فقط بسبب منع دخول الغذاء والدواء وضرورات الحياة اليومية، وليس فقط بسبب منعهم من التحرك خارج حدود أمكنتهم، بل أيضا بسبب القصف الذي كانت تقوم به الطائرات الروسية وقبلها طائرات النظام، وبسبب سيطرة الكتائب الجهادية السلفية على مفاصل الحياة في حلب الشرقية وإعطاء الذرائع للنظام وحلفائه بقصف المدنيين يوميا، بحيث أصبحت أحياء حلب الشرقية مثالا عن الدمار والهمجية العسكرية، فك الحصار قبل أيام أعاد الروح لسكان الشرقية وسمح لهم بالخروج من حصارهم وألغى الحواجز والحدود بين الغربية والشرقية، عادت حلب مدينة واحدة كما كانت، وعاد الحلبيون حلبيين، لا شرقيين ولا غربيين، ومع خطوة فك الحصار عن حلب ودخول الكتائب الجهادية إلى الغربية تحت اسم (غزوة ابراهيم اليوسف)، وهو أحد قادة تنظيم الطليعة المقاتلة التابعة للإخوان المسلمين، والذي ارتكب مجزرة مدرسة المدفعية الشنيعة في ثمانينيات القرن الماضي، المجزرة التي أعطت الذريعة الكبرى لنظام الأسد الأب بتكريس حكمه الديكتاتوري، وتدمير مدينة حماه وقتل عشرات الآلاف من المدنيين، وارتكاب المجازر المتتالية، مع دخول هذه الكتائب إلى حلب الغربية مستعيدة مظلومية الإخوان عبر إطلاق الاسم على (الغزوة)، يعود الخوف إلى من تبقى من السوريين الرافضين والمناهضين لأي استعادة انتقامية طائفية ماضوية، فالاسم (غزوة ابراهيم اليوسف) لم يطلق عبثا، ويحمل العديد من الدلالات السياسية المرتبطة بالحدث السوري وتداعياته الإقليمية، وبالتحديد ما حدث ويحدث في تركيا منذ الانقلاب الأخير الفاشل، فالسرعة التي تم بها ظهور سلاح الكتائب الجهادية وفك الحصار والدخول إلى حلب الغربية، ليست بعيدة الصلة عن الزيارة التي سيقوم بها الرئيس التركي أردوغان إلى روسيا بعد أيام، وليست بعيدة الصلة عن مفاوضات جنيف القادمة، وليست بعيدة الصلة عما حدث سابقا في إدلب والرقة من ظهور مفاجئ وسريع للكتائب الجهادية وانسحاب عناصر النظام من مسؤولين وعسكريين بما يشبه تسليم المدن لهذه الكتائب، ما يخيف في حلب أكثر هو الرغبة في الانتقام الذي ربما تشكلت لدى المحاصرين في الشرقية ضد أهل الغربية، الذين كانت حياتهم مستمرة ويعيشون وكأن المحاصرين قربهم ليسوا بشرا، عدا عن التشفي بالحصار والموت عند مؤيدي وشبيحة النظام في حلب، هذه الرغبة إن وجدت قد تعطي الذريعة للكتائب الجهادية بالفتك بمدنيي الغربية، بريئهم ومذنبهم، وبالتالي سيتحقق معنى (الغزوة)، بكل دلالاتها، وهو ما قد يعطي الذريعة للنظام وحلفائه الروس بقصف حلب بكاملها وتدمير ما بقي سالما من المدينة العريقة بذريعة القضاء على الإرهابيين! على أن نتائج فك الحصار وما سيحدث في لاحقا، هو بالتأكيد سيحدد مصير الحدث السوري ومستقبل سوريا، إذ منذ دخول حلب في قلب الحدث قبل أربع سنوات، بدأ ظهور الافتراقات في الثورة السورية، فليس غريبا أن تكون هي بداية لوضع خريطة طريق للمرحلة السورية المقبلة بكل السيناريوهات المحتملة، بما فيها سيناريو التقسيم، ما هو أكيد الآن، بعيدا عن السياسة، أن فك الحصار هو انتصار للإنسانية وهو ما يجب أن يسبق أي موقف سياسي مهما كان هذا الموقف.ش

بقلم : رشا عمران

رشا عمران