كتاب وأراء

حب صيني

حينما كنا في عمر الصبي كان بعض معلمينا يحدثوننا عن طبائع اهل الغرب التي تختلف عن طبائع اهل الشرق، فصوروا لنا اهل الغرب، انهم اناس شغوفين بالعلوم والبحث العلمي، وانهم شعوب تقدس الواقعية، وتميل إلى تسويغ الوسائل للوصول إلى الغايات العملية، وانهم، بعكس اهل الشرق، اناس براجماتيون وعقلانيون، يفكرون بعقولهم، قبل قلوبهم، وان ذلك هو احد اسرار التفوق الغربي على اهل الشرق، اذ حينما تسيطر العاطفة على العقل يكون عقل ضعيف لأنه لا يفكر بقدر ما يشعر، ولهذا صنع الاوروبيون السيارات والقطارات والطائرات... الخ، بينما لم نجاريهم في تفوقهم الصناعي.
ربما لذلك كان المرء يخطئ في نفسه عواطفه قبل ان تجمح أو تجنح، بل ويراجعها قبل ان تسبق أو تنحي العقل، وإلى حد وضع العاطفة في قفص اتهام ازلي .
ولكني قرات مؤخرا قصة واقعية، أي حدثت بالفعل وليست من بنات خيال قاص، عن هولندي يدعى ألكساندر بيتر كيرك انتظر عشرة 10 أيام في مطار صيني على أمل لقاء صديقته الصينية وتدعى جانغ، والتي تعرف عليها عبر الانترنت، وتطورت علاقتهما إلى حب، ومن ثم فقد قرر كيرك السفر للقائها، ولكنه حين وصل إلى هونان لم يجد أحدا في انتظاره، ورفض مغادرة المطار طوال الأيام العشرة التالية، ثم نقل لاحقا إلى المستشفى بسبب الإعياء
. تليفزيون صيني صور هذا الهولندي خائب الرجا وهو ينقل إلى المستشفى، وشاهدت واستمعت «جانج» لهذا التقرير التليفزيوني، واتصلت جانغ بالقناة التليفزيونية بعد يوم من إذاعة التقرير، قائلة إنها اعتقدت أن الأمر مزحة، وقالت «تطورت قصة الحب بيننا ولكن لاحقا بدا باردا تجاهي»، لافته إلى أنه عند وصول كيرك إلى المطار كانت تجري جراحة تجميل في منطقة أخرى في الصين وكان هاتفها مغلقا.
الموضوع صار حديث الصين، وتناوله الصينيون على وسائل التواصل الاجتماعي بتعليقاتهم، واغلب المستخدمين ابدوا عجبهم ودهشتهم لما بدا لهم أنه عبثية ما قام به كيرك.
، وسأل مستخدم صيني: «لابد أنه غبي. لماذا يقوم أي شخص بذلك؟»، وقال آخر صيني: «ألا يعلم أن كل شيء في الصين زائف؟»
.القصة على بساطتها ربما تكشف ان الصينيين صاروا اوروبيين اكثر من الأوروبيين، وانهم تحولوا إلى البرجماتية والعقلانية والواقعية الغربية، فلم يفلح هذا الهولندي في كبح جوامح عاطفته، كما فعلت حبيبته الصينية، التي اتت به من اقصى الغرب إلى الشرق البعيد، دون ان تتهافت عليه مثلما وقع في غرامها وقعة كلفته التشرد في مطار صيني عشرة ايام، ثم النقل القسري إلى مستشفى بعد اعياء الانتظار الطويل.
يبدو ان الشرق يقتبس من الغرب الكثير، ويبدو ايضا ان التقليد الشرقي للغرب لا يقتصر على انتاج سلع وبضائع ومصنوعات مستنسخة عن الغرب، ولكن الاستنساخ صار يشمل العواطف البراجماتية، فصار هناك حب تايواني، كذلك الذي انزلق اليه هذا الهولندي دون ان يدري انه كان «تمثيلية حب زائفة» .
بقلم : حبشي رشدي

حبشي رشدي