كتاب وأراء

هل نستعذب تعذيب أنفسنا؟

يسمي علماء النفس هذا السلوك «المازوشية» ولكنهم يربطونه باللذة الجنسية، أما إذا عممنا فإننا نأخذ تعريف قاموس «كيلي» بالفرنسية: شذوذ يجبر الشخص على البحث عن الألم، وهو ميل إلى البحث عن الفشل والحزن والتلذذ بذلك، والسادية نقيضها: الوصول إلى اللذة بتعذيب الآخرين.
نحن لا نبحث عن اللذة، ولكننا ندعي أننا نبحث عن العلم والوعي والمعرفة، وليتنا نبحث عن المعرفة بمعناها الواسع، بل نبحث عن المعرفة الإخبارية والسياسية. يقول لك القائل: يجب أن نفهم ما يدور حولنا، ونمضي ساعات في قراءة الصحف ومتابعة نشرات الأخبار في الإذاعات والقنوات التليفزيونية، وبرامج «الردح» التي تكاثرت، ونعذب أنفسنا بسماع ما يقوله «المحللون الاستراتيجيون» ولم أفهم من أين جاؤوا لهم بهذه التسمية، فكأن واحدهم مسؤول عن وضع استراتيجية دولة من الدول أو كان كذلك. وماذا بعد؟
هل نزداد فهماً لما يدور حولنا؟ هل نستطيع تكوين رأي شامل متكامل عن الأحداث وسيرورتها؟ هل ما يقال في الإعلام حقيقة أو بعض الحقيقة؟ ولأننا كسوريين من جيل «بلاد العرب أوطاني» لا نكتفي بما في سورية من الدمار والحرب والخراب والتشريد والمآسي، بل يجب أن نعرف ما يدور في الوطن العربي كله، ماذا يحدث في ليبيا؟ وإلى أين تتجه الأحداث في اليمن؟ وكيف ستحل الأمور في العراق؟ وهل تنتهي أزمات لبنان؟ أم لم يحن وقت هذا؟ وهل سيعقل من يسمون المعارضة في البحرين؟ ولماذا تتدهور الأحوال في مصر؟ وهل تنجح التجربة التونسية التي قلنا إنها مثال لما يجب أن تؤول إليه ثورات الربيع العربي؟
ولا نكتفي بهذا، بل يجب أن نعرف ونفهم ما يدور في الدول المجاورة، لاسيما أن له تأثيراً كبيراً على ما يجري في بلادنا، إلى أين تتجه تركيا؟ كيف سينتهي الصراع بين إردوغان وخصومه ولاسيما غولن؟ كيف هي الأوضاع في إيران؟ هل صحيح أن فيها صقوراً وحمائم؟ هل يستطيع الإصلاحي روحاني الصمود أمام خامنئي؟ بل نصل إلى أبعد من هذا، ما تأثير الجرائم الإرهابية في أوروبا؟ ولمن ستكون الغلبة في الولايات المتحدة؟ وما تأثير انتخاب كلينتون أو ترامب على قضايانا؟ وربما يهتم بعضنا بالبرازيل وأوكرانيا وحلف الأطلسي وخروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي.
هل نحن جزء من منظومة تكون الرأي العام ولها تأثير؟ أم أن هذا إضاعة للجهد والوقت فيما لا يفيد؟ أليس الأفضل أن نمضي الوقت مع أسرنا؟ أو في قراءة كتاب مفيد؟ أو البحث عن الجمال في الطبيعة؟ أو سماع أغنية عذبة الكلمات والصوت والألحان، أو معزوفة موسيقية؟

بقلم : نزار عابدين

نزار عابدين