كتاب وأراء

ماذا بعد أن أتعبنا العالم؟

سؤال يطرحه عنوان هذا المقال يمكن أن تُفسر صياغته بطريقتين. فقد يفهم البعض أنه يتساءل عن ما يمكن أن يسببه العرب والمسلمون أكثر للعالم بعد أن أتعبوه وأرهقوه ودفعوه إلى الخوف بشدة منهم. وقد يُفسره البعض الآخر على النقيض على أنه يستجلي ما قد يدبره العالم أكثر للعرب والمسلمين بعد أن أتعبهم واستنزفهم وقسمهم. فالعلاقة بين الجانبين ملتبسة والخلاف لا ينقطع حول ما إذا كان العرب والمسلمون باتوا أشبه بجلطة بشرية في شريان التاريخ أم أن العالم هو السبب في كل مآسيهم ونكباتهم؟
من يرصد مواقف اليمين الغربي المغالي ويتابع ردود الأفعال تجاه ما يقع كل يوم تقريباً من أحداث في أوروبا سيجد أن قطاعات واسعة من الرأي العام هناك تعتقد أن العرب والمسلمين باتوا متعبين جداً للعالم، يهددونه بالإرهاب واللاجئين وجماعات متطرفة أحدثت فوضى عارمة حول العالم في السنين الأخيرة. أما من يرصد مقولات التبريريين العرب والمسلمين، وما أكثرهم، فسيجد رأياً مختلفاً يُلقي المسؤولية بأكملها على العالم ومن فيه. وحتى لو اعترف هؤلاء أحياناً بخطورة ما يفعله بعض العرب والمسلمين إلا أنهم يرجعونه إلى الاستعمار والتآمر الدولي الذي يقطعون بأنه لا يستهدف غير الإسلام والعروبة.
وسواء أكان العالم يتعبنا أو أننا من يتعبه فالنتيجة واحدة. لقد أصبحنا أمام مواجهة تتسع وتتعقد مع عالم يقف متسائلاً لماذا يكرهوننا ولماذا يكرهون حتى أنفسهم؟. وهي مواجهة تختلف عن كل المواجهات التاريخية التي وقعت من قبل. فمواجهات الأمس كان يديرها خلفاء وأباطرة تطيعهم جيوش تغزو مرة هنا ومرة هناك. أما مواجهات اليوم فيمكن أن يفجرها فرد أخرق من خلال عملية منفردة يشعل بها مشاعر غضب حضاري حارقة على الجانبين.
وكان الأمر سيهون لو انحصر في تحديد المسؤولية عن من أتعب من، لأن الإنصاف لن يعفي طرفاً من مسؤوليته في إزعاج الآخر. لكن الأمر يتعدى ذلك إلى البحث عن ما يمنع تلك العلاقة المتأزمة من انفجار مدو في السنوات القليلة القادمة. وتكفي الإشارة هنا إلى أن حوادث الاعتداء والقتل التي يتورط فيها مسلمون في أوروبا باتت تتكرر بمعدلات مقلقة سواء لدوافع سياسية أو اجتماعية. وزيادة وتيرة تلك الأحداث يدق جرس إنذار بأن تراكم الغضب في قارة قد يدفع، في ظل صعود اليمين فيها سياسياً، إلى استشعار القلق في قارة أخرى.
لقد أتعب العرب والمسلمون العالم كثيراً وأتعبهم العالم أيضاً كثيراً. وليس المهم الآن تصفية حسابات تاريخية ثقيلة بين الطرفين لأن هذا ما يسعى إليه أصحاب العين الواحدة الذين يبرئون الذات ويشيطنون الغير. الأهم هو منع ذلك التوتر الساخن، وقد بلغ حد الغليان، من الوصول إلى نقطة الانفجار. فهناك يمين متشدد ترتفع أسهمه في الغرب يقف موقفاً صريحاً ضد دخول وهجرة ووجود واستيعاب المسلمين. وهناك بالمثل يمين عربي وإسلامي يتسع انتشاره على هيئة جماعات متزمتة وعنيفة تحمل وتنقل السلاح إلى كل مكان في العالم معتبرة، وفق تصوراتها، أن مواجهة الغرب فرض عين على كل المسلمين.
وإن لم يتراجع صعود اليمين على الجانبين فالتعب المتبادل بينهما سيتضاعف وستتحقق نبوءة هانتجتون. ستتصارع الحضارات وسيدخل العرب والمسلمون بسبب شرائح محدودة منهم في مواجهات شائكة مع الغرب وباقي العالم. سيكرهنا الغرب أكثر وسنكرهه أكثر. سيتعبنا أكثر وسنتعبه أكثر. سوف تقع للأسف مجازر جديدة على أراضيهم وهو أمر بات يتوقعه علانية كثير من المسؤولين في بلدان مثل المانيا وفرنسا خاصةً بعد أن أعلن الرئيس الفرنسي هولاند أن تنظيم الدولة الإسلامية أعلن الحرب على فرنسا. وسوف تقع للأسف أيضاً حروب جديدة على أراضينا تتكون بسببها دائرة كراهية جديدة تغذي العنف والارتياب. ولن يكون العمل للخروج من تلك الدائرة سهلاً بعد كل التعب التاريخي الذي أصاب الجانبين. ومع هذا فأصوات العقلاء وحكماء السياسة والدين تبقى مطلوبة للجم التوتر القادم بالرغم من أن تلك الأصوات يكاد لا يشعر بها أحد من شدة ما حل بها من تعب.

بقلم : د. إبراهيم عرفات

د. إبراهيم عرفات