كتاب وأراء

عن الثقافة والعلم والمواقف الأخلاقية

«لعن الله السياسة ويسوس وكل مادة ساس، فإنها ما دخلت شيئا إلا أفسدته».. العبارة منسوبة للإمام محمد عبده، وهي رغم اختلاف الصياغات التي وردت بها، فالمعنى الذي أراده قائلها، يظل واحدا.
حتى جلال الموت ورهبته ومصيبته، تفسدها السياسة. تماما كما تفسد وتشين قيمة العلم والثقافة، وقدر العلماء والمثقفين، فالسياسة مجال استقطاب، وتحزب ومنافسة، بما يكتنف ذلك من أساليب هي ليست دائما متزنة ونظيفة، ومن رؤى لا تتوافق والمعايير الإنسانية، والمواقف الأخلاقية والمبدئية، بينما العلم والثقافة على العكس من ذلك، فمجالهما خدمة الإنسانية، والانحياز إلى القيم المجردة، بعيدا عن الانتماءات السياسية «الملعونة».
مصيبة علمائنا ومثقفينا، أو للإنصاف والموضوعية، بعض هؤلاء العلماء والمثقفين، أنهم ولسبب ما ينزلقون من علياء العلم والثقافة، وفضائهما الرحب، إلى حضيض الانتماء السياسي، وضيق أفقه.
وإذا تزامن ذلك الانزلاق مع أجواء استقطاب مقيت، وأسفر عن انحياز إلى أفعال لا إنسانية، كانت الطامة الكبرى، والمصيبة العظمى التي يورد العالم والمثقف فيها نفسه، وهو ما يسبب صدمة كبيرة للمجتمع، كتلك التي تنتج عن ارتكاب عالم دين لجريمة أخلاقية، بينما قد يقبلها أو على الأقل يمررها المجتمع إذا ارتكبها غيره.
اللغط الحاصل منذ إعلان نبأ وفاة العالم الجليل، الدكتور أحمد زويل، وهذا الانقسام السياسي حول رجل، ميدانه الأساسي هو العلم، يعيد طرح السؤال عن ماهية الثقافة وعلاقة الثقافة بالأخلاق.
رغم أنه سؤال كبير.. إلا أنني بحثت عن إجابة مبسطة له، وقد لقيت ضالتي في كتابين؛ أولهما هو «بوابة جبر الخاطر» للأديب الراحل محمد مستجاب، حيث يقول مستجاب:
«الثقافة هي المعرفة الممزوجة بالكرامة، فلو كانت الثقافة تعني المعرفة فقط لما اهتاجت السلطة، فماذا يهمها من سابلة الثقافة ورعاعها، إنما الذي يصنع الأزمة الدائمة هي الثقافة ذات الكرامة، فالمثقف الذي يتحلى بذلك يعني أن الثقافة لها إشعاعها الخاص تلمحه في بريق العيون ووضاءة الجبهة وجلال العقل ونصاعة الموقف، إشعاع يكشف الزيف ويصارع التلفيق ويضرب المخاتلة، ولكي نبتعد قليلا عن الوعظ ذي النبرة المدرسية فإننا لن نعدم أمثلة متعددة لقيام السلطة بتحسس مسدسها إزاء الثقافة ذات الكبرياء ليس مسدسها فقط، بل وتحسست أيضا سجونها ومقصلتها ومشنقتها ومستشفى أمراضها العقلية والنفي خارج الوطن».
الكتاب الثاني، الذي قرأت عرضا باللغة العربية له، هو كتاب «المثقفون المزيفون.. الانتصار الإعلامي لخبراء الكذب والتضليل»، للمفكر الفرنسي باسكال بونيفاس.
وفيه يفضح بونيفاس استحواذ فئة من «المثقفين»والخبراء، على الفضاء الإعلامي وقلبهم الحقائق بهدف توجيه الرأي نحو اقتناعات أيديولوجية أحادية البعد.. ثم يقول:
«ثقافة بلا أخلاق أو بلا أفق أخلاقي وإنساني واسع لا تساوي فلسا واحدا».
بقلم : محمود عيسى

محمود عيسى