كتاب وأراء

تعلم لغة ثانية

يقول ريتشارد فاينمان: «يمكنك أن تعرف اسم طائر بكل لغات العالم، لكن عندما تنتهي، ستكون عرفت لا شيء عن الطائر.. لذا دعونا نتأمل الطائر وما يفعله، فهذا ما يُهم.. لقد تعلمت مبكرًا الفرق بين معرفة اسم الشيء ومعرفة الشيء».
تَعكِس الأسطر القليلة خبرة عميقة وتجربة مهمة لمن يرغب في التعلم بشكل عام.. كما تُنبه الذين يرغبون في تعلم لغة جديدة درسًا مهمًا في إعادة صياغة الدوافع من تعلم اللغة.
ففي العادة يُسطّر الأشخاص مجموعة من الأسباب لتعلم لغة جديدة، يجعلونها مرتبطة بأهداف اقتصادية، أو فكرية وثقافية أو علمية، أو تاريخية، أو اجتماعية.. ولكن هل هذه المبررات كافية لتجعل من الشخص قادرًا على التضحية بجزءٍ من وقته لتعلم اللغة، أو التوقف عن بعض النشاطات التي يحبها من أجل تعلم لغة ما؟! أو مقاومة صعوبة الألفاظ والقواعد الخاصة بها، والاستمرار بمستوى عالٍ من الشغف؛ لسبر أغوارها!؟
إذ يواجه الكثيرون بعد مشوار قصير من تعلم لغة جديدة خبوت وضعف؛ نتيجة صعوبة اللغة أو ضعف مقاومة عدم الرغبة في المواصلة.. فما السبب وراء ذلك؟!
إن اختيار الأهداف بطريقة واقعية وصحيحة، تساهم بشكل أفضل في تعلم أي لغة، فأن يكون الهدف هو لفت انتباه الناس والحصول على إعجابهم، ليس بقوة فاعلة، وسيكون مصير تعلم اللغة غالبًا الفشل والتوقف، كما أن الدراسة والتطور الوظيفي، غير كافٍ كسبب لإتقان اللغة باحترافية. فدخول جو الامتحانات والدراسة المنتظمة سيصيب الإنسان بالملل.. لكن ماذا لو كان الهدف التعرف على ثقافة شعب تحبه أو مهتم به.. ماذا لو كان الهدف التخاطب مع أصحاب اللغة بصورة أفضل؟! ماذا لو كنتَ من ذوي التوجهات الفكرية المتعددة وتحب الاطلاع على النتاج الفكري أو المعرفي للغة ما!؟ نسبيًّا ستكون نتائج تعلم تلك اللغة مذهلة.
في جانب آخر، قد يقول بعضهم: إن الشغف لتعلم لغة ما دون وجود سبب معين أو توجه ما، كافٍ جدًّا.. إلا أنني أظن أنه وَهم.. فمن يعتمد على الشغف وحده لتعلم اللغة والاستمرار معها، سيأتي اليوم الذي تتعدد فيه الأسباب وتنطفئ شعلة تلك الحماسة، ولقد أثبت الشغف في ظروفٍ عدّه أنه غير كافٍ للمواصلة.. وعلى المتعلمين لأي شيء جديد الانتباه أن الشغف للتعلم لن يذلل كافة الصعاب، بل هو الشرارة التي تجعل البدء في المهمة أسهل مما يبدو، إنما العمل الجاد والاجتهاد الصادق هو السبيل لإيصالنا للنتائج التي نصبو إليها.. لأنه بطبيعة الحال حين نقاوم ونبذل الجهد، ونذلل الصعاب، ونُسخّر الوقت سنعيش النجاح في تعلم أيّ شيء ولو بعد حين، ألم يقل الله تعالى: [إِنَّا لَا نُضِيعُ أَجْرَ مَنْ أَحْسَنَ عَمَلًا (30)] سورة الكهف.
وقد يُخيل لمن بدأ طريقه في تعلم لغة جديدة أنه أمام محيط واسع، أمواجه متلاطمة، لا يدري من أي نقطة في شواطئه الممتدة يُرسي قاربه.. لذا فمن المهم للمتعلم أن يقتل الخوف الذي بداخله بوضع توقعات إيجابية وجميلة عن اللغة التي ينوي تعلمها.. فتوقّعه هو واقِعه.. وبناءً عليه، يجب أن يضع خطة واضحة بعد تفحصه للمواد المتاحة من كتب وسمعيات وبصريات.. كما يجب التوقف عن الخوف من الخطأ.. فلن يتعلم من لم يخطئ، كما أن الرغبة في الوصول إلى الكمال عند تعلم أي لغة هو أكبر حاجز وعثرة أمام نجاح في تعلمها.
أخيرًا، هناك أوهام عليكَ تركها حتى تتعلم أي لغة، أهمها: أصبحنا كبار، لم نخلق بموهبة، لن نستطيع السفر لتعلم اللغة، الذاكرة ضعيفة.

بقلم : زهرة بنت سعيد القايدي

زهرة بنت سعيد القايدي