كتاب وأراء

نرجسية نفس

صباحكم ورد أصفر وأهديكم وردا أبيض، فمن لا يحب اللون الابيض المرتبط بالصفاء والنقاء وطهر النفس، وهناك من يجذبه الاصفر وان ارتبط في لغة الالوان بالغيرة وان اهديته لأنثى فأنت تخبرها بغيرتك عليها، واليوم أربط هذين اللونين بالنرجس الذي يعد من اكثر الزهور شعبية في العالم وان ارتبط في الحياة العامة بالشخص النرجسي، فما أجمل ان تحب نفسك ومن المنصف ان تعطيها حقها فقبل كل شيء هي أمانة استودعها الله لديك فاهتم بها وكن لها حافظا، لكن هذا لا يعني ان تكون نرجسيا، فبينهما شعرة ان قطعتها أما ان تهون عليك نفسك أو يهون الآخرون عليك وكأنهم لا شيء، فمن لا يعرف معنى النرجسية التي تعني حب الذات وقد نسبت إلى أسطورة يونانية ورد فيها أن ناريس أو نرجس كان آية في الجمال فعشق ذاته عندما رأى وجهه في الماء وقد استخدمت اول مرة تعبيرا عن النرجسية من قبل المحلل النفسي «سيجموند فرويد» ولان للنرجسية أشكالا متعددة، فهناك شخص نرجسي لمظهره الخارجي وآخر لثقافته ودرجته العلمية أو بسبب حسبه ونسبه، وبالمقابل كل شخص لديه مميزات عليه ان يفتخر بها ويجد نفسه شيئا كبيرا في مجاله أو محيطه لكن لا يعني ان يكون كل من حوله صغيرا ويكاد لا يُرى بمنظوره.

فالصفة الأساسية للشخص النرجسي هي عشقه لنفسه لدرجة يتضاءل أمامه الآخرون، فيرى أنه الأذكى والأجمل والأفضل ومن هذا المنطلق تجده يسخّر الآخرين لأغراضه وأهدافه بلا قيد أو رادع، وهو لا يحتمل النقد ولا يريد سوى سماع كلمات المدح والإعجاب من الآخرين، هذا الشخص النرجسي تجده مضطربا لا يتوافق مع نفسه ولا يعرف تعبير السلام الداخلي بل هو دائما في صراع نفسي لإثبات نرجسيته وتفضله على الآخرين ومشكلة الشخص النرجسي أنه هو الخاسر، فحياته دائما في صراع داخلي.

الادهى ان هذا الشخص لا يشكل خطرا على ذاته فقط بل يثير الاشكالات لمن حولة متحديا في كثير من الاحيان فراغه من مميزات كثيرة يراها هو فقط، هذا الصنف من الناس ليس بالقلة المتوقعة عند البعض بل هم أكثر مما نظن، ولذلك وجد في المجتمع من يحب نفسه ويقدمها على مصلحة الجميع ولو على حساب ظلمهم وقهرهم وسلب حقوقهم والادعاء بتملك ما لا يملك، وهذه النفسية المريضة تظن حقيقة انها شخصية عظيمة ولذلك وجد علماء النفس عند دراستهم للشخصيات المريضة بمرض جنون العظمة وجدوا أنهم في الأصل مصابون بمرض حب الذات المفرط وبالنرجسية، حتى يظنوا أنهم فوق خلق الله جميعاً في الخلقة والأخلاق والنفس والجسد، لا أحد يدانيهم في الأفضلية.

النرجسيون ايضا عالة على أهلهم لأنهم لا صديق لهم ولا حبيب ولأنهم لا يجدون الموقع المناسب لذواتهم مع الذوات الأخرى التي لابد أن تخالطهم وتجتمع معهم في بيئة العمل، وكم يجني الآباء على أطفالهم عندما يربون الطفل على انه أفضل الجميع وأذكى الأطفال وأكثرهم جمالاً وأحسنهم نسباً وحسباً، حتى ينخدع المسكين بنفسه ويظل يعتقد هذه المجاملات الممجوجة المبالغ فيها وتصبح في قلبه عقيدة راسخة تقوى وتتطور مع الزمن، والمشكلة أن النرجسي لا يعترف بنرجسيته حتى لو اتفق الخلق كلهم على وصمه بهذه الصفة فسيبقى بعظمته واعتداده بنفسه مدافعا عن نفسه حتى لو فقد من حوله من الأهل والإخوان والأصدقاء ولو كره الناس مجالسته فسيظل جاهلاً بمدى مرضه وحاجته الحقيقية إلى خطة علاجية يواجه فيها الواقع..

اذن يجب نشر قبول وحب الآخر، إضافة إلى أن تعميق فكرة أن الإيمان ليس مجرد كلمات بل أفعال أمر مهم، ويجب أن يترجم على أرض الواقع، أعاذنا الله وإياكم من حب الذات الذي يعمي العقول ومن كل شخص نرجسي يطأ بقدميه عباد الله واعمالهم وقدراتهم، ودمتم بحفظ الله.



بقلم : ابتسام الحبيل

ابتسام الحبيل