كتاب وأراء

الدين والسياسة بين اليابان وأميركا

في السادس من شهر أغسطس من عام 1945 ألقت الولايات المتحدة أول قنبلة ذرية فوق مدينة مأهولة. كانت تلك المدينة هيروشيما في اليابان. وبعد ثلاثة أيام ألقت قنبلة ذرية ثانية فوق مدينة ناكازاغي اليابانية. وقد صودف أن موقع سقوط هذه القنبلة الثانية كان كاتدرائية كاثوليكية هي الأكبر في كل قارة آسيا.

في ذلك الوقت كانت نسبة 85 بالمائة من الأميركيين تعتقد أن إسقاط القنبلتين كان مبرراً، لأنه أوقف الحرب في جبهة الباسيفيكي، وتالياً أوقف الحرب العالمية الثانية. ولكن في عام 2015 تراجعت هذه النسبة إلى 56 بالمائة.
يعود السبب في ذلك إلى نشر وثائق أميركية رسمية تثبت ان اليابان وافقت على الاستسلام قبل إلقاء القنبلتين.. وأنه في الوقت الذي كانت تجري المباحثات حول ترتيبات اعلان الاستسلام بموافقة الامبراطور هيراهيتو نفسه، قصفت الولايات المتحدة هيروشيما وناكازاغي بالقنبلتين النوويتين.
بعد الاستسلام فرض على اليابان دستور جديد (دستور 1947).. تنص مادة منه على التزام الدولة عدم تقديم أي مساعدة مادية أو أي دعم معنوي تفضيلي لأي منظمة دينية؛ كما نصت تلك المادة على أنه لا يجوز لأي منظمة دينية أن تمارس أي عمل سياسي..
كان المقصود بهذه المادة هو عقيدة الشنتو، التي كانت تعتبر دين الدولة في اليابان حتى انتهاء الحرب. وكانت مدينتا هيروشيما وناكازاغي من المدن التي تخيم عليها عقيدة الشنتو.
ويرتفع في جزيرة هونشو التي عقدت فيها قمة الدول السبع الكبرى في 27 مايو الماضي، معبد قديم للشنتو عمره 1300 عام، يربطه بالجزيرة جسر «أوجي»، وهو جسر صغير مصنوع من خشب الأرز المقدس. ويبلغ طوله مائة متر فقط.
أثناء الحرب احتل الجنود الأميركيون المنطقة ومنعوا الرهبان من دخول الدير بعد ان نسفوا الجسر، وعاثوا فساداً في الدير القديم وهدموه. الا أن اليابانيين جمعوا تبرعات من الأهالي وأعادوا ترميمه من جديد.
ولكن بعد الحرب، أعيد بناء الدير والجسر معاً.. وخلال قمة الدول السبع الكبرى، كان على قادة هذه الدول بمن فيهم الرئيس الأميركي نفسه باراك أوباما أن يعبروا الجسر وأن يمارسوا التقاليد الدينية الشنتوية قبل دخول الدير. وتقضي تلك التقاليد بغسل اليدين والفم بماء موضوع في وعاء خشبي خاص. يذكرني هذا التقليد بقول للنبي محمد عليه الصلاة والسلام.. جاء جواباً على سؤال وجه إليه وهو «من هو المسلم؟» فأجاب: «المسلم من سلم الناس من يده ولسانه». فتطهير اليد واللسان قبل دخول المعبد هو بمثابة التزام معنوي بعدم إيذاء الناس باليد واللسان.. ولكن هذا المعنى كان غائباً عن ثقافة الرؤساء السبعة الذين عبروا الجسر إلى الوعاء الخشبي.. ثم إلى الدير العتيق! فقد اعتبرت مراسم الدخول إلى الدير مجرد فولكلور من دون معنى. ذلك ان الأبحاث التي تلت الزيارة تناولت قضايا الصراعات السياسية والعسكرية في العالم، وخاصة في شرق آسيا بعد خروج المارد الصيني من القمقم.. وبعد عرض كوريا الشمالية لعضلاتها النووية والصاروخية البعيدة المدى.
حتى الرئيس أوباما تجنب التلفظ بأي عبارة تحمل معنى الاعتذار أو الأسف لإسقاط القنبلتين النوويتين على هيروشيما وناكازاغي، بعد تدمير طوكيو عن بكرة أبيها.
كذلك فإن اليابان التي لاتزال تؤمن بعقيدة الشنتو، لم تعتذر عن اقتحام بيل هاربور إلا تحت الضغط السياسي والعسكري. وهي لم تعتذر عن احتلال الصين واسترقاق نساء كوريا «للترفيه» عن الجنود اليابانيين اثناء الحرب، الا في ظل كابوس الهزيمة العسكرية التي منيت بها.
ولايزال رئيس الحكومة اليابانية شينزو آبي يزور مقبرة ياسوكوني في طوكيو لتحية ضحايا الحرب العالمية الثانية ومن بينهم 14 جنرالاً يابانياً كان قد حكم عليهم دولياً بارتكاب جرائم حرب!
منذ عام 1945، عام استسلام اليابان، جرت مياه كثيرة تحت جسر «أوجي» المقدس لدى الشنتو. وجرى ترميم وتوسعة الدير مرات عديدة من دون أن تقدم الدولة «يناً واحداً». وكذلك قامت في طوكيو كنائس مسيحية كاثوليكية وانجيلية عديدة، لم تكن موجودة قبل الحرب. وقام مسجد كبير إلى جانب عدد من المصليات الصغيرة الأخرى. ولكن لم يقم معبد جديد لعقيدة الشنتو، التي يدين بها اليابانيون.

بقلم : محمد السماك

محمد السماك