كتاب وأراء

تونس وترنح المسار الانتقالي

تم الإعلان بشكل شبه رسمي وعبر تسريبات متفرقة عن اسم رئيس الحكومة التونسية الجديد وهو وزير الشؤون المحلية في حكومة السيد الحبيب الصيد.
الأمر مرّ بسلاسة كبيرة رغم مجهودات الدولة العميقة في الإيحاء بأزمة سياسية تخترق البلد من أجل مواصلة الضغط على الشارع وعلى المؤسسات للقبول بالأمر الواقع.
الوزير الجديد أو رئيس الحكومة الجديد هو مثل رئيس الحكومة المغادر ينتميان إلى النظام القديم الذي حكم تونس بالحديد والنار طوال أكثر من نصف قرن من الزمان. الوزير المستقيل أو المُقال بتعبير أدق هو جزء من نظام بن علي؛ لأنه عمل في مؤسسات النظام الاستبدادي التي كان يتحكم فيها الرئيس الهارب خلال عقود من الزمان. أما الرئيس الحكومة الجديد فهو عضو في حزب نداء تونس الوريث الشرعي والطبيعي لنظام بن علي وامتداد لقوى الثورة المضادة بما هي التفاف على مطالب الثورة.
المشكلة ليست في الأشخاص ولا في قدرة الوزير وكفاءته، بل هي في الحاجة التي استجدت فجأة وحتمت إقالة رئيس الوزراء السابق وتقديم مرشّح جديد.
الظاهر أنه لا حاجة لهذا التغيير الفجائي على مستوى المظهر الخارجي للدولة لأن النسق العام على المستوى الأمني والاقتصادي والاجتماعي يسير نحو التحسّن البطيء، لكنه أخف الأضرار بالنسبة للمرحلة الانتقالية التونسية مقارنة بالمراحل الانتقالية الأخرى.
الساحة التونسية الداخلية هادئة رغم كل الاضطرابات التي يوهم بها إعلام دولة العمق، وليست الأزمة الخانقة التي تمر بها الدولة إلا بسبب تناحر الأحزاب السياسية وصراعها على المناصب وعلى اقتسام الغنائم والعمل بالوكالة لمصالح القوى والشركات الأجنبية.
الصراع وتردي الوضع الاقتصادي وارتفاع حجم المديونية وانتشار الفساد هي مظاهر سببها الأساسي الإضرابات التي تقوم بها العصابات النقابية والمنظمات العمالية التابعة لأحزاب سياسية بعينها، تردي الأوضاع التونسية سببه الأساسي أذرع الدولة العميقة في الداخل ومجموعة القوى المالية والسياسية والإعلامية من رجال الأعمال وأصحاب النفوذ المرتبطين بهم.
حركة النهضة بما هي الشريك الأساسي لحزب نداء تونس في السلطة وخاصة في مجلس نواب الشعب حافظت على نفس ردود الأفعال من التغيرات السياسية وذلك بتزكية قرارات رئيس الجمهورية مهما كان نوعها أو مصدرها أو صبغتها.
التغيير الأخير يدخل أيضاً في إطار التحالف السري والعلني بين الجناح الرئاسي في حزب حركة نداء تونس وهو المحسوب زوراً على الحركة الدستورية وبين «حمائم النهضة» من الحركة بقيادة راشد الغنوشي. أي أن رئيس الحكومة الجديد حاز على موافقة الحركة، كما أن إقالة رئيس الحكومة القديمة قد حازت أيضاً على تزكية الحركة وموافقة قياداتها.
الثابت الآخر هو أنّ التغيرات الأخيرة لا تبشر بخير بالنسبة لمطالب التغيير الحقيقية كما أنها تؤشر على إمكانية عودة القبضة الأمنية إلى الواجهة وإلى استعادة سياسة تكميم الأفواه السابقة.
تبقى تونس دولة مرتهنة بشكل كلي لمحيطها الإقليمي والدولي وهو ما يجعل من المشهد التونسي رهين التغيرات العربية والدولية وخاصة تلك الخاصة بالسياق الليبي، لكن أمّ المعارك في تونس خلال المرحلة الانتقالية تبقى محاربة الفساد بما هو العصب الاستبداد ورئته التي يتنفس بها وهي المعركة الوحيدة القادرة على حسم المسار الانتقالي لصالح موجة التغيير والخروج من قلب العاصفة.
بقلم : محمد هنيد

محمد هنيد