كتاب وأراء

حلب وما بعدها

بعدما أحكمت قوات النظام السوري حصار مدينة حلب، خرج أحد مسؤوليه ليعلن موافقة دمشق على المشاركة بجولة جديدة من المفاوضات في حنيف أواخر الشهر الحالي.
باستثناء هذا التصريح لم نسمع قولا للنظام في شأن ما حصل ويحصل لحلب.. دفة القيادة كاملة كانت لموسكو، ولم يكن مستغربا والحال هكذا أن يخرج وزير الدفاع الروسي ليقول إنه وبناء على توجيهات من الرئيس فلاديمير بوتين، قرر الجيش الروسي وليس السوري، فتح ممرات آمنة لسكان المدينة الراغبين بمغادرتها، وممر للمقاتلين المستسلمين.
قطع الطرق المؤدية لحلب، خاصة «الكاستيلو» وإخضاع المدينة لحصار محكم، لم يكن كافيا لوقف المواجهات العسكرية مع الفصائل المسلحة، التي بادرت لفتح جبهات قتال من جهات عدة.
سيناريو حلب، يذكر باستراتيجية النظام السوري المستهلكة في إدارة الصراع، والقائمة على فرض وقائع ميدانية قبل التوجه لطاولة المفاوضات.. حدث هذا من قبل في حمص وإدلب، وسواها من جبهات القتال.
حتى وقت قريب كانت جميع الدلائل تشير إلى صعوبة دعوة الأطراف المتحاربة لجولة مفاوضات جديدة. المبعوث الأممي ديمستورا، كانت ينتظر اختراقا في الحوار الروسي الأميركي، يترجم لاحقا في جنيف.. لكن ذلك لم يتحقق بعد.
بيد أن النظام وفي خطوة استباقية حاول استثمار حصار حلب لجلب المعارضة لطاولة المفاوضات يعرف سلفا أنها لم تثمر عن شيء، لهدف واحد وحيد، هو شراء الوقت الثمين لحين دخول الدبلوماسية الأميركية في طور السبات الانتخابي، وتعليق الجهود الدولية لما بعد الانتخابات الرئاسية الأميركية.
الدبلوماسية الأميركية تقترب فعليا من دخول مرحلة الانكفاء، وتفيد تحليلات خبراء في السياسية الأميركية، أن أقصى ما تطمح إليه إدارة الرئيس أوباما في هذه المرحلة، القضاء على تنظيم «داعش»، وإنهاء سيطرته في الرقة والموصل، وتجميد الأزمة في سوريا، على أن يترك للإدارة المقبلة التعامل مع ملف المفاوضات وانتقال السلطة في سوريا.
مواقف واشنطن حيال ما يجري في حلب، تزكي مثل هذه التحليلات؛ فهي ولغاية اللحظة تتسم بردود فاترة على التطورات، فيما موسكو تمسك بزمام الأمور، وتتحكم بسير الأحداث، دون أدنى ممانعة من واشنطن.
ويقول دبلوماسيون: إن الاتصالات الجارية والمحمومة بين كيري ولافروف، تتركز بشكل أساسي على موضوع مكافحة الإرهاب، الذي وسعت واشنطن من دائرته لتشمل ليبيا.
والأرجح أن جولة جدية من المفاوضات، إن عقدت، فلن تكون سوى مناسبة عاشرة لاختبار الفشل، والعجز الدولي عن تنبي مقاربة للحل في سوريا، تضع حدا للكارثة الإنسانية.
ولا أدل على ذاك الانطباع المحبط، سوى تصريحات مدير الاستخبارات الأميركية من أن تقسيم سوريا لم يعد مستبعدا، وهو التقدير الذي صار يلقى «تفهما» دوليا، لا بل وعربيا.
والمؤكد في هذا الحال أن الانتصار المرجح على «داعش» لن يدوم طويلا؛ ففيما الأزمة السياسية قائمة بتجلياتها الإنسانية المرعبة، واستمرار مسلسلات القتل والتشريد واللجوء، ستفرز بالضرورة ردودا متطرفة، وتشيد مسارح جديدة للإرهاب المتوحش.
الإرهاب في سوريا، كان نتاج استعصاء الحل السياسي للأزمة، وتجاهل هذا الفهم، يعني إعادة إنتاج الإرهاب بأشكال وصور مختلفة.
وإذا صحت التقديرات بانكفاء أميركي، عن دور كان ولايزال متواضعا فإن الأشهر المقبلة على سوريا والمنطقة ستكون حارقة وقاسية، لأن نظرية «الستاتيكو» المنشودة لن تؤدي إلى استقرار أبدا، إنما إشعال جبهات صراع لا تنتهي.. وعندها سيبدو سيناريو التقسيم على ما فيه من مخاطر بعيد المنال.
بقلم : فهد الخيطان

فهد الخيطان