كتاب وأراء

الحاجة إلى ميثاق ثقافي

سبقت أن طرحت أن الأزمة ثقافية بالدرجة الأولى، وإن تلكؤ مرحلة الانتقال الديمقراطي ودمويتها، لا بل واحتمال تراجعها وانتكاسها بعد ما سمي بالربيع العربي هو عدم وجود حاله ثقافيه متبلورة أو لها قدرة على صياغة والحفاظ على نسيج المجتمع من التشظي في حالة اختفاء أو اندثار المعايير السياسية القائمة في المجتمع في مرحلة ما، ولي هنا بعض الملاحظات:
أولاً: السياسة في عالمنا العربي لم تكن وليدة الثقافة، والنظام السياسي، نظام فوقي بدلاً من أن يكون نظاماً ثقافياً في الأصل نابعاً من ثقافة المجتمع.
ثانياً: فوقية النظام السياسي في الدول الريعية جاءت بعد ظهور النفط، نظراً لعدم تبلور حالة ثقافية في وقت ما، تجعل من شرط المشاركة شرطاً حاسماً.
ثالثاً: سيطرة السياسي على الثقافي جعلت من مسألة التوافق مسألة وقتية، مرتبطة بأشخاص توافقية، كالشيخ زايد أو الشيخ عبدالله السالم وغيرهما، ولكن لم يتم تأسيس فعلي لحالة ثقافية تستمر بعدهما، كما حصل بعد شخصيات توافقية إنسانية عظيمة مثل مانديلا، وغاندي.
رابعاً: الثروة أفسدت الثقافة أو عملت على تسليعها، وجاءت ثورة الاتصال لتحولها إلى معلبات دونما تناغم أو تجانس وإنما بحسب رغبة التاجر الذي يريد أن يقبض الثمن بأي سعر كان.
خامساً: رفض النظام السياسي العربي قبول الاحتجاج «المدني» كطبيعة ملازمة لتطور الأنظمة العربية، واستخدم العنف، فقضى على إمكانية تبلور ثقافة سياسية أو حالة ثقافية تسد مرحلة الانتقال من الثورة إلى الدولة.
سادساً: المفارقة أن أقل المجتمعات العربية تضرراً هي تلك التي وصفت بأنها علمانية أو تغريبية، كالمجتمع التونسي، ونظام بورقيبة السابق الذي وصف بأنه نظام كافر، وأكثرها تضرراً، المجتمعات «المتدينة» كالمجتمع المصري أو العراقي أو الليبي.
سابعاً: نظراً لضعف عملية التحديث الثقافي، انقسمت الثقافة إلى ثقافتين، ثقافة النظام وثقافة الشعوب، ويلاحظ ذلك اليوم في الأزمة الخليجية بوضوح، تحاول الشعوب أن تنأى بنفسها عن خلاف الأنظمة.
ثامناً: انتقل المجتمع إلى ثقافة «تويتر» دون المرور بحالة ثقافية مجتمعية، تجعل من «تويتر» حالة حوار، وليس حالة نزاع وتراشق، أو مع النظام أو ضده، حالة الاصطفاف المؤدلج هذه حالة سابقة على وسائل الاتصال الجماهيري.
تاسعاً: مكونات الثقافة موجودة، ولكن صياغة حالة ثقافية تتطلب التخلي عن العقلية الهرمية التي سادت في المجتمعات الإسلامية التي أنتجت لنا فكراً نقلياً هرمياً لا إرادة للإنسان فيه، فطغت نماذج، القائد الملهم، والزعيم المبتعث، الرئيس المؤيد من السماء، والعلاّمةالذي يحتكر العلم والدين.
عاشراً: المجتمع العربي بحاجة إلى عقد ثقافي جديد، سيستمر الانتكاس السياسي وسيطول، طالما لم تصل المجتمعات إلى حالة قناعة تامة بأن المدخل للإصلاح هو حالة ثقافية تأخذ مكونات المجتمعات بنسبية الإنسان لا بمطلق القرآن وينتج بعدها نظام سياسي إنساني ليس من مسؤوليته رفع شعار الجنة، قبل شعار الحياة الكريمة لكل مواطن بغض النظر عن دينه أو عرقه أو انتمائه.
بقلم : عبدالعزيز الخاطر

عبدالعزيز محمد الخاطر