كتاب وأراء

فك الارتباط عن الضمير

لم تكن سوريا ذات يوم إحدى الدول المحورية المؤثرة في أحداث المنطقة الإقليمية المحيط بها كما هي اليوم، لم يكن الحدث العالمي، أيا كان، مرتبطا بسوريا كما هو اليوم، فمنذ نشوء تنظيم القاعدة وحتى الآن، لم يسبق أن أعلن فصيل من الفصائل المنتمية له انشقاقه عن التنظيم، وتمت مباركة الانشقاق والإعلان عن تفهم هذه الخطوة من قبل قيادة التنظيم، مثلما يحدث اليوم مع جبهة النصرة في سوريا، جبهة النصرة تعلن على لسان أميرها الجولاني، الذي كشف النقاب أخيرا عن شخصيته، عن فك ارتباطها بتنظيم القاعدة، هكذا، فجأة وبكل بساطة وبدون مقدمات، المجتمع الدولي الذي صنف القاعدة ومعها النصرة كمنظمات إرهابية، رحب قسم منه بالإعلان والقسم الآخر صمت وكأن شيئا لم يحدث، إعلان فك الارتباط داء مباشرة بعد الحدث التركي الذي شغل العالم قبل أسبوعين، جاء أيضا مع الإعلان عن زيارة مرتقبة وقريبة للرئيس التركي أردوغان إلى روسيا لعقد قمة مع الرئيس الروسي بوتين، كانت تركيا قبل الانقلاب الفاشل بيومين تقريبا قد قدمت اعتذارها لروسيا عن إسقاطها لطائرتها الحربية، مع الانقلاب تم الإعلان عن قتل الطيار التركي الذي أسقط الطائرة الروسية، قيل أنه كان أحد العناصر المشاركة في الانقلاب، هيئة التفاوض المعارضة السورية لمؤتمر جنيف تعلن في بيان لها ترحيبها بفك ارتباط جبهة النصرة عن القاعدة وتغيير اسمها إلى جبهة (فتح الشام)، بشار الأسد، رئيس النظام السوري يعلن بعد يوم من فك الارتباط، عن عفو عام عن المسلحين المنخرطين في التنظيمات السورية المعارضة شرط تسليم أسلحتهم، بينما لايزال عشرات الألوف من خيرة مدنيي شباب سوريا مجهولي المصير في المعتقلات السورية دون أن يهتم لمصيرهم أحد، روسيا والنظام السوري يطلبون من مدنيي حلب الشرقية مغادرة المدينة فورا، حلب الشرقية التي ترزح تحت حصار قاتل على الأرض وقصف قاتل من السماء، باقي مدن الشمال السوري التي (حررتها) سابقا ما يسمى اليوم جبهة فتح الشام تتعرض لعملية إبادة من الطيران الحربي الروسي والسوري، قسم كبير من سوريي المعارضة لاسيما الإسلاميين منهم رحبوا ترحيبا شديدا بفك الارتباط، يحدث هذا وكأن الجميع قد تناسى أن التنظيم الذي يسمى اليوم فتح الشام كان له دور مشابه تماما لدور النظام السوري في تدمير سوريا وتهجير أهلها وتحويل ثورتها إلى حرب أهلية، تكاد تودي بحاضر سوريا وماضيها ومستقبلها، يحدث هذا أيضا وكأن تنظيما راديكاليا كجبهة النصرة يمكنه أن يتحول بين ليلة وضحاها إلى تنظيم معتدل مؤمن بالدولة المدنية والديمقراطية والعدالة الاجتماعية في بلد كسوريا ينتشر فيه السلاح والمسلحون، ويعج بالتناقضات الاجتماعية والثقافية، وتحول إلى بؤرة خراب تصلح لإعادة توزيع مصالح الدول الكبرى اللاعبة في المنطقة، السياسية والاقتصادية والعسكرية، على حساب دم سكانها وحاضر ومستقبل أبنائها، يحدث كل هذا بعد أن كشف الأمير الجولاني اللثام عن وجهه وأعلن عن شخصيته الحقيقية، شخصيته التي عززت فكرة أن العالم بأجمعه شريك في سفك الدم السوري، وأن هذا الدم لم يكن يوما سوى سلعة في بورصة السياسية العالمية، كشف الجولاني عن وجهه ومعه كشف الجميع أوراقهم، سوريون وغير سوريين، معلنين فك ارتباطهم عن الإنسانية التي كان يفترض بها أن تكون الضمير الأخلاقي لوقف المقتلة السورية.

بقلم : رشا عمران

رشا عمران